الاثنين، 18 أغسطس 2025

جدلية الفوضى بقلم الراقي طاهر عرابي

 "جدليّة الفوضى"


هذه قصيدة تتأمل الفوضى لا كعطبٍ في النظام، بل كجوهرٍ للحياة ذاتها.

هي مرآةٌ تُظهر تناقضاتنا بين المطر والجدب، بين شهوة السوق وجوع الطيور، بين اختراعاتنا الكبرى وعجزنا عن اقتسام رغيف القمح.

في “جدليّة الفوضى” لا تنكشف الحقيقة يقينًا، بل تظلّ معلّقةً مثل ماءٍ في السماء، تسائلنا:

هل نبحث عن نظامٍ ينجينا، أم نصغي إلى الفوضى حين تفرض نظامها الخاص؟

إذا كانت الفوضى الكونية تحكم العالم، ففوضانا نحن مجرد مهزلة لعقلٍ مضطرب.



جدليّة الفوضى

قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي

دريسدن – 22.06.2024 | نُقّحت 19.08.2025


1

أقف على ضفّة النهر الغارق في بكاءِ ضفّتيه،

أتأمّل سخطَ سهوتي عن الحذر،

كان لابد من إخبار النهر أنّ أمطارًا غزيرة

ستعكّر صفوته،

وأخبره أنّ المطر لا يخشى السماء،

ينهمر كأنّه يجب أن يصير نهرًا أجمل من البحر.


ينزل بسلاسل من عناقيد الماء المحتدم تتدحرج،

مثل عناقيد قناديل البحر،

تزاحم نورها لتغدو حقلًا من زجاج ذائب،

يمتد ليلمع كأنّه سراب يتكوّر في عيون الغرقى.


أشك أنّ المطر هو من يملك العقل،

صار جداول صغيرة مقلوبة في السماء،

بلا طرفين، لا نبع ولا بحيرة،

ماء معلّق في الهواء،

ينسكب ساخطًا

على تأخّرنا في شكره وتقديره،

فلا نثنيه… ونلوذ بالفرار.


2

حدث شيء لم تتوقّعه الطيور،

التي ضمّت جناحيها إلى صدورها،

تفكّر بالسكينة كأنها غفوة نهر،

وتنتظر حبات القمح الساقطة من سنابلها بالخطأ.


لكلٍ ربحه وخسارته في حياة أُحكِمت بترتيب الصراعات،

لكن الغباء يولد بسهولة،

وينتهي الأمر بطلب المستحيل:

أن يُفتح باب للرجاء تديره الطيور.


ولكن المطر أغلق السنابل ورماها على الأرض،

فتذمّرت الطيور، 

ثم وقّعت معاهدة الصبر مع المجهول.


3

كان الطوفان، ولم يكن أحد يحمل مظلّة،

ولا يهرب إلى سوق مضيء،

مليء بالطعام السريع،

بيتزا بألوانها، ووجبات ذهبية تُنافس اللعاب.


لم يكن لدينا نقود تكفي،

وغفلنا مرّة أخرى وكما يحلو لنا،

فلا قيمة للنقود في زمن الاضطرابات،

ولا قلق حول الطيور التي حطّت تناشدنا،

تشكو اختفاء القمح والأسماك.


لكننا كنا منشغلين – بصدق ساخر –

ببخار الماء المتصاعد من قهوتنا

في صباح مضى،

نتلذذ بالماضي إن سود النهار.


قلنا: في زمن الطوفان،

يمكننا أن نجوع حتى الإغماء،

وأن نخلع عنّا ما يستر الخصر،

لكنهم يخشون أن نضيع، فتكسد البضاعة،

فينثرون علينا الطعام واللباس،

حتى لا نفقد فتنة السوق،

ولا يتهاوى حبنا للرفاهية.


4

كنا عظماء في صناعة السعادة،

لكننا وضعنا لها مساطر حسابية سرّية،

لا يمكن أن تحدّد مدى فرح المخلوق.


الكل يتكتم خشية الحسد،

حتى الشمبانزي له سعادته،

لم يفكّر يومًا في المرايا،

ولم يقِس فرحه بالزجاج العاكس.


لكننا لا نصدق السعادة إلا إن ظهرت في المرايا،

السعادة تأتي معلبة وتموت معلبة،

وما يطل علينا منها أحيانًا… كذبٌ جميل


رأيت علماءً يصعدون إلى القمر،

لكنهم يعودون ليلًا إلى بيوتهم،

يفتحون النوافذ… وينظرون إليه من جديد،

كأنّهم يراقبون حلمًا لا يقدرون الإمساك به.


5

لم نعد نخشى التعب،

أنوار الإنذار، أو الموت الهادئ،

في أجسادنا شقوق دقيقة،

وعينان يهددهما عتم الغياب…


فليكن، نحن مجموعة معدّة للموت،

نضحك على المرايا،

ونستهين بسقوط الشعر.

لن نطفو في الهواء،

ولن نغادر الأرض إلى كوكب مجنون،

ربما نرضيه بتوسلات مخجلة،

بعد أن أبادنا كوكبًا أزرق.

لا ترهقونا بحب المفاخرة،

كلها حكايات للجاهلين.

فلن نسبح في الهواء لحصاد القمح،

ولن نفتح علبة السردين

ونهديها لمناقير الطيور.


لدينا ما أرقى وأحلى:

نحن فوضى الحياة كما تشتهينا الحياة،

أفواه تصرخ، مناقير تتلذذ،

وأمنيات تسقط على الأرض،

ولا أحد يجرؤ على تنظيمها…

وكل شيء يسخر منا قبل أن نسخر منه.


6

سيتوقف المطر ويعود النهر،

ولن نعاقبه ونسميه جدولًا،

ويعود الجراد ليُلتهم ما تبقى من عيدان القمح.


قرب النهر، ومن حول الطيور الراقدة في صبرها،

الوجوه الغافية ستبقى،

صامتة في وجه الفشل؛

فلا دموع تعيد السنابل.


ساورنا الغضب من أجل ألف سبب،

فقلنا لمجموعة البقر الهولندية:


“لم يتغير الاستعمار منذ نشأ الأقوياء،

ولن يأتي اليوم الذي يعترف فيه الضعيف

أنه خلق ضعيفًا من أجل العبودية،

أو يستكين للشقاء،

ولن يصير المستعمر فلاحًا يهذي بالأحوال الجوية.

اذهبوا إلى مضاجعكم، استمتعوا بموسيقاكم وحداثتكم،

وبأجبانٍ تفيض من حليبكم الغزير.

سنشتريه مرغمين أنّه… فتنة الحياة.

ونحذركم:

فلنا لعاب يتحجر، ملحًا يغلق أفواهنا،

فلا تلومونا إن كنا صامتين.”


7

حرب الجراد هي بداية غروب العطاء،

ومقابر الأعشاب والجذور الدفينة.


لا توقظي من نام، أيتها اليقظة،

ولا تذهبي للنوم قبل شروق الوفاء.

سيعود الجراد مدججًا بشرائح ذكية،

يبرمجها له الفيل المجهول في الغابة.

وأنتِ، أيتها البقرة الحلوبة،

تمضين عمرك في مضغ الأعشاب،

ولا تعلمين حتى ما عمّر أنياب الفيل.

بدأنا نشكك حتى بجدوى الفروقات:

هل نخترع القوة قبل اكتشاف العقل؟

أم أن العقل أدار ظهره للقوة، ففعلت ما تشاء؟

هل نحب التسلط قبل لمس الورد؟


سنسأل طيلة العمر، ونزيّن الحياة بالأمل.

أيتها الديوك السوداء، لا توقظوا من نام.

الجراد سيوقظ آخر الغافين،

ولن يبقى لهم سوى ليل بلا مصابيح.

سنحدّد فرحًا لا يبصره الجراد،

وسنلتقي في زمن يهوى أن تبقى الفوضى

نظام الحياة.


(ط. عرابي – دريسدن)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .