"الشاعر المخنوق"
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 12.07.2024 | نُقّحت 19.08.2025
1
جاء المساء محمَّلًا بكلمات كثيرة:
عن الحب، الحرب، الورد، النساء،
عن حرِّ الصيف والأمسيات الغارقة بالبهجة.
لكن الكلمات لم تكتمل طيلة اليوم،
مات الأسلوب الشعري فجأة،
وغابت تقنيات الفطنة،
بمجرد أن فكرتُ بالشطر الأول.
كنتُ متسرعًا، وخُدعت بجمال النهاية.
النهاية كانت: بعد فراق تمَّ اللقاء،
وكان القمر يتهيأ للمصالحة مع النجوم.
2
القصيدة ما زالت مبعثرة على تراب الطريق،
حملتها لا أعلم كيف،
ثم وزعتها يائسًا بين جدران الغرفة،
مثل أوراق خريفية تائهة، مُلقاة في العتمة.
لا تدري إن كان الصبر سيمنحها فرصة البقاء لساعات أخرى، لتتذكر أيام براعمها.
الشاعر يحب القفز من مساحة إلى أخرى يظنها موطنه الشعري،
لكن الكتابة ليست مجرد رحلة شاقة،
إنها مسيرة ضد التيه.
ولا تظن أن الكلمات تتساقط كالمطر على رأس الشاعر،
فيحمل صفيحة ويختار ما يكفي لفنجان القهوة،
ليطمئن أن الفكرة ستولد مثل ولادة الفيل.
لكن، هل تولد القصيدة حقًا؟
أم أنها كائن مراوغ لا يترك أثرًا إلا حين يختفي؟
حتى في خفائه، لا ينسى ألم الولادة.
3
أحيانًا أكتب عن العبث، وأحيانًا عن الضياع،
قبل لحظة المعجزة التي تغيّر تفاصيل اليقين، وتجعل الحرية هدفًا منسيًا.
قصيدتي بأكملها تاهت مني،
بحثتُ عنها بين الشكوك التي اقتحمت رأسي،
مثل وخزات شيطانية، حتى اختبأت في مكان لا يراه أحد.
تعود وتحفر في مخيلتك،
ويا لها من فرحة أن تعثر على ما يُقال بتواضع.
حين أطلت القصيدة المنكوبة إلي،
وجدتني مثقلًا بالمشاعر المدمّرة والغرق العميق،
قالت لي بهدوء قاسٍ:
“دعني، ولا تسأل عن سبب غيابي،
فالقضية لا تستحق أن تنصهر أنت وتتحوّل إلى بخار.
للكلام مواعيد على عتبة الصمت،
فاحذر الضوضاء.”
4
أدركتُ أخيرًا أن الإبداع ليس عبورًا في نفق الحروف،
بل غرقٌ في بحر مجهول،
حيث تهوي السفن الصغيرة قبل أن تصل إلى الضوء،
ويصير القبطان ساحرًا.
ألم أخبركم أنني كنت أخاف المجهول؟
أن أكتب أكثر مما تحتمل الأسطر،
أن يغرق القلم في بحر التفصيل،
ويظل عالقًا في جزيرة الصمت؟
ليس الإبداع أن تكتب، بل أن ترى بعينيك من يقرأ،
وربما يعلم أنك أبدعت،
أما أنت، فلا يجب أن تعلم،
هذا هو السر العظيم للشعراء.
لا يعلمون أنهم في سدّة الإبداع مرغوبون.
لكن إن سارت الكلمات في الاتجاه الخطأ،
أليس هذا هو تمرّد الشاعر؟
أن يرى الحقيقة في كل زيف،
ويخلق العدم ليصير يقينًا، ثم يتلعثم.
أردتُ أن أكتب عن الحب مرة أخرى،
لكن هل سأجرؤ على القول:
“إني عاشق…”
وأنا لستُ فارسًا، ولا مبارزًا للأفاعي؟
نظرتُ إلى وجهي في المرآة، فرأيتني… ولا رأيتني،
عرفتُ أنني فقدتُ شيئًا في تلك النظرة،
لكن الأمل لا يزال يعانق الزمان،
كما يعانق العاشق عيون محبوبته،
ويضع الكلمات في مقام الأبدية.
“لولاكِ يا حبيبتي، ما سُحرتُ من الورد.”
5
إلى أن يأتي المساء التالي،
وتصبَّ عطاءات الإلهام، وتفاجئ الشاعر،
حيث لا يزال يخنق نفسه كأنه محبوس في صندوق ساخر،
يظن نفسه يتألم دون رُؤوس سهام،
وأشواك صبرتْ حرَّ الصيف حتى صارت إبرًا منزوعة الرحمة.
يعترف الشاعر ويقفز في الهواء،
ويخرج منه كل شيء… إلا حقيقة السعادة.
السعادة أن تكتب بسعادة، وأن يُقرأ النص بسعادة،
عندها يتكوّن المستحيل في زمن يختار ولا ينهار.
قررتُ أخيرًا أن أترك قصيدتي هديةً لمن لا يقرأ، وأختبئ،
وربما أسمع صوته يأتي من الفراغ، فأهتف:
حروف القصيدة تشهد لي.
(ط. عرابي – دريسدن)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .