الجمعة، 15 أغسطس 2025

كلمات من باطن القلم بقلم الراقي سيد حميد عطا الله

 كلمات من باطن القلم

بقلم : سيد حميد عطاالله الجزائري 


ليس القلم أداة، بل كائن يطل من نافذة الخفاء، يمد لسانه في الفراغ ليقتات على طحالب المعنى.

يخط بلسانه لا لأنه يهوى المخالفة، بل لأن الحبر عنده ليس سائلاً، بل نبضًا متخثّرًا من قلبه الأسود–الأبيض.

يمهر نصوصه بأم رأسه، لأن رأسه هو مهبط الوحي وموضع المشنقة معًا؛ حيث تتدلى منه آخر جملة قبل الموت.


هو المسافر بين أعصابنا وأوراق العالم، لا يسير على عجلات ولا على أقدام، بل على انحناءة تكفي لفتح فجوة في جدار الزمن.

كلما غاص في البياض، سمع صرخات من كلمات لم تولد، ورأى قبورًا صغيرة لحروف لفظت أنفاسها قبل أن تبلغ السطر.

يمد لسانه في العدم، فيتذوق الغيب، ثم يلفظه في جملة ناقصة… ناقصة لأن الكمال طعمه فاسد.


إنه لا يكتب على الورق وحده، بل ينقش على قشرة الليل، ويخدش خد الفجر، ويمحو بعضًا من ظلال النهار.

كل كلمة يخرجها من باطنه هي نجم سقط في فم المحبرة، وكل فاصلة هي شهقة نجا منها النص من الانتحار.


هو لا يحمل مدادًا كما يراه الناس، بل يحمل نصوصًا تحتاج إلى رحم؛ كي تولد سليمة، تخرج من بين الصلب والترائب.

وحين تؤذن الأنامل بحلول لحظة الكتابة، يتوضأ من محبرته، ويفترش ورقته البيضاء؛ لتكون سجادته التي يتعبد عليها في خلاوته.


عندما يرفع رأسه ليُمهِر المعنى، فإنه في الحقيقة يضع ختم الوداع على جسد اللحظة، وكأنه يعلن:

"هذه الفكرة ماتت هنا، فلا تبعثوها من جديد".

لكننا، نحن الكتّاب، نصرّ على انتشالها، ندفنها في الكتب، ونترك عليها لوحة رخامية مكتوب عليها:

"هنا وُلِدت فكرة، وماتت في ذات النفس".


هو القلم… لا خشب، لا معدن، لا ريشة.

بل جمجمة صغيرة تبتسم في يدك، ولسان طويل يلعق الغيم، وعين وحيدة ترى الكلمات قبل أن تتجسد، وتبكي عليها بعد أن تنطق.

يكتب بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الجهد.

كأنه نبي من خشب، ورسالته في صحفه الأولى، وكل كلمة تخرج منه ملك يوحي برسالته.


وعندما يبكي، ترى دموعه في كلماته، وإذا ابتسم، ترى الحروف زهورًا بلا شوك.

وفي كل مرة تضعه جانبًا، لا ينام، بل يواصل الكتابة على الهواء، على الغبار، على عروق الطاولة، وعلى يدك التي تظنها فارغة.

إنه يخط تاريخًا لا يُقرأ إلا في العدم، ويمهره بختم لا يُرى إلا بعد أن ينطفئ آخر قنديل في آخر غرفة على وجه الأرض.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .