الأربعاء، 27 أغسطس 2025

هروب تحت القمر بقلم الراقي طاهر عرابي

 “هروب تحت القمر”. 


قصيدة تغوص في الليل، حيث القمر شاهدٌ والنجوم همسٌ خفي.

رحلة بين الظل والنور، بين الصمت والبوح،

تفتح أبواب التأمل في الأخلاق، الحرية، ومعنى الوجود.



هروب تحت القمر

قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي

دريسدن – 07.12.2024 | نُقّحت 27.08.2025


كان القمرُ ساهرًا مثلي،

يُسلي نفسه بما أوتي من فطنة وذكاء.

لا أعلم كم هو ذكي، وهل يفكر

مثل آينشتاين بنظرية المجهول؟

وهل يهمّ القمر البُعد الرابع،

كما يهمني البُعد الكوني للأخلاق؟

القمر يعلم، محاصر بالنجوم،

يحمل سرّ المقاومة الأزلي.


نحن لا نراه إلا منيرًا ليُغيظ النجوم،

التي تشحذ عطف الأنوار البعيدة،

تتساوم على البقاء قربه، وكأنها لا تهدأ…

إنها في قلقٍ مشحون.

يجيد العزف على أوتار الضوء،

ولا يأبه للشهب التي تغزوه عبثًا.


أما أنا، فأرى عظمة الأخلاق

في بُعدٍ أبعد عني من الشمس.

لكلٍّ منا مصيبته… إن كنتُ أنا أم كان القمر،

ورجاء واحد… هو الحياة.


لم أشعر أن القمر يملك ما يُغيظه مثلي،

أو أنه سيبتهج لوقوع هذه الصدفة،

بأنني تحته… مهموم،

وفكرُه الأخلاقي مسألة تهم الكواكب.


ناداني القمر في منتصف الليل،

كان متجهمًا قلقًا،

ترك غيرته من النجوم،

تحدّق في وجهه مثل طيور تبحث عن مأوى فوق الشجر،

بلا مطر… بلا ريح حمقاء تهزّ نعاسها.


قلت:

“أنا منشغل بالتأمل في الوجود،

ولي غاية في وحدتي.

دعني أتأمل كيف يُترك الإنسان وحيدًا،

ولا يدري مَن يعشق… في زوبعة السراب.


أرى الانحطاط يمتد حتى أنابيب الماء،

فتخرج غير صالحة للشرب.

أين نجد نبعًا… إن كان المطر مسمومًا؟

هل في البُعد الرابع ماء طاهر؟”


خشونة الهواء تصلح لتجميل الصبر،

وتطهير الأنفاس من الداخل.

نحن بحاجة للغليان،

على حرارة الأفكار المصطفة في العقول،


منذ هجرتُ الفرح، وأنا أتوسل لبُعد الأخلاق ليقترب من بُعد الحياة،

ولم أتوفق بعد… فهما يبتعدان ويتركان فراغ المصائب،

ولا أجد ما يدفعني إلى التذمّر

ولا من يؤكد لي هذا الشعور،

أن تكون… لتكون في بعد واحد.

الكل مشغول بتضميد ما تبقّى من الآمال،

في تقاسم المحبة،

ومواساة عطر النرجس الذي بدلناه بعطر أرماني كود،

ونسينا بُعد الورد.


أعطني من فطنتك ما يكفي لفهم نظرية المجهول،

وفهم نظرية الصفاء بين البشر،

وللإمساك بالبعد الرابع… وهو يمضي.

كيف لي أن أمسك ببعد الحياة،

وأنا أخشى أن ينساني البعد الرابع؟

أتلفت دون أن أمسك بما يشدني إلى الصفاء،

أتكسر، أنحني، اتبعثر … وأقول: جمعني يا قدر.


صرخ القمر متعجبًا وقال:

“أيها الإنسان، كيف لك أن تتذمّر وتتخبّط في هواك؟

أرهقتني ألوان الوجوه المتقلبة،

ودمّرتني أخاديد الأسرار العميقة،

تحفر على أطراف الألسنة الملتوية مخابئ للكذب.

فكيف يرى الكذب وجهي المضيء… ولا يخجل؟

إنك تكذب وتظن أن البعد الرابع سينساك.


أطللت عليكم لعلي أكتشف من يرى النهاية،

بهجةٌ تغفر… فرأيت النفاق وحده يُكمل المساء معي.

كلكم ممتلئون بفقاعات الصابون،

وقطط سوداء تمزج الحيلة ببريق عيون موقَدة

لفتراس النقاء.


فماذا تريدون؟

والبُعد الرابع عندكم… ذرة من عفن النجوم.

تسحقونه وكأن لكم هواء لا يعبر الزمن.”


قلت:

“هل ننصرف قبل أن يمر الوقت،

ويطلع الصباح ويفضحنا غرورنا؟

أنا حائر، متكبّر، وأنت عظيم… ترى البعد الرابع وجهاً من وجوهك السمحة.

لديّ طريق، فيه ألف سؤال.”


كم مرة تساءلنا، ونحن مقهورون،

مثل ضفادع جف نهرها،

فتحوّلت إلى قنافذ تتنكّر لكل مرحٍ مضى.


متى يخلع الشيطان عن نفسه ثوب العفّة،

ويهوي إلى مرآة ذاته مكشوفًا، ذليلًا،

يتسكّع مع المارقين في بهو الفضيحة،

على إيقاع قرع الموتى الأبرياء،

خلف أبواب السجون المكتظة،

حيث تعفّنت الجراح وغُمس الأنين في وحل الفجيعة؟


ومتى يمسك المظلوم ميزان العدل ويكتب حكمه؟

أكاد أشكّ بكل الأبعاد… إذا دسنا على بُعد الأخلاق.


فأجاب:

“ما انصرفت عن السماء يومًا،

أنا في النهار أكثر عشقًا للحياة.

هل تعشقها مثلي؟

لديك عقل وحواس ورؤية للمشاعر…

فماذا ستسأل؟


وحبيبك آينشتاين… حدّثك عن البعد الرابع،

دون أن تدري أنه ليس لكم، بل لنا… نحن أبناء السماء.


ألا يكفي النحيب،

وحمل المصباح بلا فتيل؟

كيف ستضيء نفسك،

وأنت لا تقوى على حكّ جلدك بشهبٍ مارقة؟

ارسم بعد الحياة قبل أن تندب عينيك.”


كان القمر أكثر جرأةً مني،

وبشكلٍ يجرح ما كنت أتحلّى به من ثقة.

مشيت عكسه، لأني تعوّدت ألا أطيق الخجل.


قال: “أراك تهرب!”

فهربت… ليشهد هروبي، وهو أصدق ما فعلت.


بعد خطوتي الأولى، خلفي، ينظر القمر…

احترت من نفسي، بأي اتجاه أهرب.

عاد القمر إلى لقاء وجهي وقال:

“لا تدخل الكهوف المظلمة،

لا بد لي أن أراك، وأعطيك ما تراه للقياك.

في الكهوف المظلمة،

يضيع الظلام نفسه…

ويموت بلا اتجاه وبلا شاهد،

وفيها قبر البعد الرابع.”


ضحكت، حتى تردد صدائي في الليل…

البعد الرابع له قبر في الكهف.

فما الذي يمضي إذن؟


وغدًا في النهار سأحدّث الناس عن القبر،

وقلت، مبهورًا بجرأتي:

“وننسى أن الفرقة تؤسس الجحيم،

وتُباعد عروق الدم عن مفاصل الجسد.

يا قمرا، عرفت قبر البعد الرابع…

قل لي، أين دفنت الأخلاق؟”


كل من يتاجر بالعظمة غبي،

وطويل ممل ليزداد هزلًا.

شيطان يتمسك بالخزي،

يقاتل أشرعة وهمية خوفًا من افتضاح ملامحه،

يتصفح معاجم السفاهة،

باحثًا عن عرش مهترئ،

ليوزّع فتات السرقات على أطراف كعكة ذابلة،

أعدّها بعدما اغتال الحق،

طمس معالم البهجة، وحرم الكرامة، وقال:

“الحرية بلاء،

العبد المواطن شوكة في نفسه،

تؤلمه ليبقى على حبل الوفاء.”


تشجعت في آخر الليل، 

والقمر هو من قال: لا فرق بين ليله ونهاره،

فقلت وكأنني وصلت إلى بُعد الأخلاق:


رأيتُ واحدًا من الطغاة،

كان ينزل عن منحدرٍ مشدودٍ بأقفال الفتنة،

مشدودًا بحبالٍ تشبه حبال الغواصين في أعماق العتمة.

غايته أن يسمع صوته، ولو كان غثاء.

سقط، وغابت كل مظاهر الكينونة الأزلية،

وصار عبئًا على أنفاسه.

دخل تحت حجرٍ، وانطوى في غياهب النسيان،

بعد أن ظن أنه في حصنٍ أسواره قاهرة.


رحل خسيسًا، مثقلًا بالسقم، مثقلًا بعاره المقيت،

وأغلق الباب خلفه… على العدم.


فرحتُ ونسيتُ النعاس،

وصلتُ إلى بُعد الحياة… ونسيت القمر،

حتى صار صمته مرآةً لنفسي،

وضوءه البعيد دليلًا على أنّني وحدي… وأقوى.


طاهر عرابي – دريسدن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .