الأربعاء، 25 يونيو 2025

مرآة العصفور وقلب الوردة بقلم الراقي طاهر عرابي

 "مرآة العصفور وقلب الوردة"

في عالمٍ يضجُّ بالضجيج، يغدو الإصغاءُ إلى همسِ الوردة وصوتِ العصفور فعلًا فلسفيًّا في جوهره.

ما بين العزلة والحنين، والوهم واليقين،

تنشأ مساحاتٌ خفيّة،

يسكنها الإنسانُ حين يُحاور الطبيعة كمرآةٍ لذاته.


هذا النصّ ليس حكايةً عن وردةٍ أو عصفور،

بل عن محاولةٍ مستمرّة لفهم المعنى…

حين تشتري الجمال بالماء، وتُقاوم الغربة بالحب،

وتَمنح الألمَ اسمًا يُشبهك.



"مرآة العصفور وقلب الوردة"

(قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي)

دريسدن - 14.02.2025 | نُقّحت في 24.06.2025


كنتُ أسيرُ وحدي على طريقٍ ترابي،

حين لمحتُ وردةً تنمو على طرفه،

فاشتريتها بثمنٍ قليلٍ من الماء.


قلتُ لها:

“احتفظي بجمالكِ… لا تخافي العطش.

اشتريتكِ بعيدًا عن العيون،

فما أبهى أن نمتلكَ الجمال،

دون أن نحمله معنا إلى النهاية.”


رآني عصفورٌ صغير،

فرفرف بسعادة،

كأنّ السماءَ تضحك له لأوّل مرّة.


اقترب منّي، وناداني:

**“إيّاكَ والغرقَ في جدليّةِ العزلةِ والوهم!

ليست الوحدةُ ما يُؤرّق القلب،

بل تلك الأفكارُ التي يُلقيها الآخرون حولها

حتى يُلبِسوها ثوبَ الألم.


كن سعيدًا في اللحظة…

لسْتَ وحدك… نحن معك.”**


انتعشتِ الوردةُ، وقالت:

**“اشترِ وردًا وعصافير،

لنكونَ معًا أحبابًا بعواطفَ نادرة،

في كونٍ يُجدّد نفسه إن رآنا سعداء.


لا يكفي أن تمسحَ الثمارَ بيدك وتمضي،

اربتْ على جذعِ الشجرة،

وشكرَها…

ولا أن تجمعَ كلّ شيءٍ لتغادرَ مُنهكًا.

ما أقسى أن تملكَ كلَّ شيء،

ثم تعجزَ عن امتلاكِ الوداد!”**


فجلستُ بين الوردة والعصفور،

محاطًا بعرشِ قلبي الذي وجدني،

وقلتُ لهما:


**“سأمضي عمري، حاملًا قضيّتي…

تعذّبني، وأنا أضحك،

تقهرني، وأنا أُخطّط،

تجذبني إلى الوهم، وأنا أحدّقُ في المرآة،

تبكيني في لحظاتِ الفراغ،

تطوي ذراعي، وأنا أُنادي بالحريّة،

تُرهقني، وأنا أخطو نحو البُستان،

تُقلقني، وأنا أُهدّئ ملامح وجهي للحب،

أندسّ إلى فراشي وكأنني السهر،

وأصحو كأنني لم أكن منهم…


أولئك الذين يزيّنون فنجانَ القهوة بحبّاتِ اللوز،

ويعلّمونكَ الفضيلةَ وأنتَ شريدٌ في الوطن.”**


أمضي… وألتفت من حولي،

فلا خوف يشبهُ الغربة،

ولا راحة تُشبهُ غرسَ الحقولِ التي اختنقتْ

من غيابِ أصحابها.


لكوني فلسطينيًّا،

أُحاولُ أن أُرضي الغربة… فَتَقتلني.

“هل فهمتم من أكون؟”


فردّ العصفور،

وخبّأ رأسَه تحتَ بتلاتِ الوردة،

وبدا مُقنعًا… وكأنّه أنا:


**“لن تملك سوى نفسكَ… إن استطعت.

يُحرّكون العواصف، ويهمزون الزوابع،

يلفّونك بالحسرة،

ويُقحمون قدمَيكَ في اللظى.

لسْتَ منهم… ولن تكون.

لقد باعوكَ للتعب،

واشترَوا مرايا تعكسُ وجوهًا من قصب.


ما أصعبَ أن يشغلَ مكانكَ مَن لا تعرفه… ولا تحبّه.”


قلتُ له، والعينُ تقطر هدوءًا:

“يا سيدي العصفور،

لقد ضاعت منا كلماتٌ كثيرة،

كانت تمنحنا القدرةَ على فهمِ جدليّةِ القسوة،

وجريمةِ التشريد.

غابوا خلفَ سُلطانِ القوّة،

لكنّ ما زال هناك ما يستحق أن يُقال… بهدوء.


ما مضى… ودّعناه بصمتٍ راضٍ تحت سياط القهر،

أما ما تبقّى، فله الحق في الانتصار.

نحن من نقرّر كيف نكون،

ولمن نكون،

لكي نوجد… في النهاية.


وفي نهايةِ المشوار،

يتّخذُ كلّ شيءٍ موضعَه كما نشتهي،

نشتهيه كتابًا نكتبُ فيه قصصَنا،

ونشتهي من يقرؤه،

ليُصبح جزءًا أبديًّا منّا.

كان وطنًا نحلمُ به،

فأصبح وطنًا نقدّسه.


أما الحزنُ على ما فات،

فليس إلا هزلًا…

أشدّ إيلامًا من الهزيمة.”**


فردّت الوردة، وقد غطّت السماءَ بعطرها:


**“لو كانت العِفّةُ رداءً،

لاقتناهُ الناسُ بأغلى الأثمان،

وارتدوه فخرًا واعتزازًا.


لكنّها لا تتطلّبُ سوى القناعة،

وسلامِ الروح،

وهما أغلى من كلّ ثمن.


العفّةُ ليست لحظةً عابرة،

ولا مجرّد هروبٍ من ثِقلِ الأوهام،

بل جوهرٌ لا يزول.


أما الشياطين… فلا يقتربون من العفّة.

تكفي الهمساتُ الطيّبة لتُفزعهم،

وإن أبصروا نظراتِ الطهر،

انهاروا كقشٍّ يابس،

تخلّى عن سنابله،

واستسلمَ للريح… بلا عنوان.”**


ثم مالت إليّ، وقالت:


**“سنبقى معًا…

أنتَ، وأنا،

وعصفورُ الحُلمِ الحنون.


فلا تتحدَّث عن حتميّةِ الشقاء إلا مع العصافير،

دَعْهُم يحملونه بعيدًا،

ويلقونه في البحيرات،

لتتغذّى به زهراتُ اللوتس المرحة.


واعلم أنَّ كثيرين يرون الحمارَ حصانًا،

وهم دومًا في سفرٍ بطيء،

تسبقهم أفكارُهم القديمة،

فلا يُدرِكون الزمن.


وإن حدَّثتَهُم عن الشقاء،

سيقولون إنهم سعداء.


لا تحسدهم…

بل سترى حتميّةَ الشقاء قد هربت من العصافير،

وتركت البحيرات،

وحطّت في مَن نراهم بؤساء.

تلك هي رسالة البقاء.”**


(قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .