هي قصة قصيرة تمثّل نداءً موجّهًا إلى الأزواج، هدفها التنبيه لما قد تحمله خبايا الزمن مع مرور الأيام.
ربما تكون أغلب الزيجات، في أصلها، زيجات ناجحة. لكن كبد الحياة ومشقّتها يُضفيان على ظاهرها شيئًا من الارتباك في الاستقرار. ولن يزول ذلك الارتباك إلا إذا أدركه الزوجان معًا، قبل أن يبثّ سمومه في أعمدة البيت وشرايينه.
___________
✨ قصة قصيرة : " ظن زوجين "
"ظنّت هي، وظنّ هو، وما بقي من الظنّ إلا ظنّهما، فضاعت حياتهما بسوء ظنّهما.
كلٌّ منهما بنى سقفًا من الهواجس، وترك الشك يشوب كلَّ ما بينهما من إحساس،
فصار الشك ينهش جدران الحبِّ الذي كان، وينسج مسافاتٍ بينهما لا تُرى لكنها تُستشعَر.
وحلَّ الصمت يملأ الفراغ،
هو يرى في صمتها برودًا، وهي ترى في انشغاله جفاءً.
هو انتظر منها خطوة، وهي انتظرت منه كلمة،
فضاعت بينهما الخطى، وتاهت الكلمات...
وما بقي من الحب إلا ظنّهما، الذي يبحث عن تفسير النظرات وتأويل العبارات.
ونسيا أنَّ بعض الظن إثم."
والغريب أنه لم يكن بينهما خلافٌ واضح، أو خصامٌ ظاهر، بل كانا زوجين سعيدين، بدأت حياتهما بقصة حبٍّ يعرفها الجميع.
كانت تفاصيل يومهما، رغم مشاغلهما، تزينه ضحكةٌ منها عند باب المطبخ حين يدخل هو بيته، ورسالةُ اشتياقٍ منه عبر الهاتف حين يكون خارج البيت، وكلمةٌ حنونة قبل النوم.
لكن شيئًا ما تغيّر...
بدأت الأيام تمر بهدوء، ليدخل الروتين ضيفًا ثقيلًا عليهما، واصطحب معه الصمت القاتل الذي تسلّل خفيةً بينهما دون شعورٍ منهما في البداية: فطورٌ صامت، وعشاءٌ على السريع، وأحاديثُ مبتورة، وأعينٌ تتفادى اللقاء.
حينها بدأ الظنّ يلعب لعبته المدمّرة.
هو ظنّ أن صمتها علامةُ برود، وأن انشغالها بالبيت والأطفال لم يترك لها مكانًا للشوق إليه.
وهي ظنّت أن انشغاله الطويل عنها ليس تعبًا بل تهرّبٌ منها، وربما عيناه صارتا تبحثان عن دفءٍ عند غيرها.
استمرّ الوضع هكذا مدةً طويلة،
وفي أحد الأيام، بينما هما على طاولة العشاء، سألها محاولًا إخفاء انزعاجه، لكن نبرة صوته الجافة كانت تفضحه:
_ أراكِ تغيّرتِ كثيرًا.
_ لأنك غير موجود.
_ أنا هنا، ألا ترينني؟
_ أراك، لكني لا أشعر بك.
_ أنا أيضًا أراكِ ولا أشعر بك.
ثمّ صمت كلاهما بغصّة خذلانٍ لم يُفصحا عنها لبعضهما البعض.
ومرّت الأيام ثقيلة، فالبيت هو نفسه، لكنه بلا حنين.
حتى جاء اليوم الذي قرّر فيه الرحيل.
قال لها: "ربما لن أعود."
فأجابته: "وربما عندما تعود... لن تجدني."
ثم خرج دون وداع، وبقيت هي تحدّق في فنجان قهوتها البارد.
ولم يبقَ من الحبّ إلا ظنّهما، ونسيا أنه لا يعيش في قلوب يقضمها الشك ، و أن الزواج لا يموت بالصراخ، بل بالصمت والغياب.
________
28/05/2025
شفہٰاء الہٰروحہٰ
الجزائر 🇩🇿
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .