الثلاثاء، 24 يونيو 2025

وقضي الأمر بقلم الراقي طاهر عرابي

 “وقُضيَ الأمر”

حين يُخنق الصوت في زحام الصمت، وتصبح الكلمات آخر معاقل الكرامة، يولد الشعر شاهداً على زمن يُكتب بالدخان والدم. هذه القصيدة ليست مجرد رثاء أو احتجاج، بل مرآة للوجع المقاوم… لحقيقة تُقال حين يحاول العالم أن يشيح بوجهه عنها.

لكنها ليست فقط قصيدة عن غزة، بل عن فكرة أكبر: كيف نعيش في عالم لا يعترف بالألم؟ كيف نحافظ على الانتماء في زمن صار فيه الصمت لغة رسمية؟ وكيف نحمل الخسارات دون أن ننهار؟


“وقُضيَ الأمر”

(قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي)

دريسدن - 30.11.24 | نُقّحت في 23.06.2025


اسودَّتِ الأيَّامُ تحتَ صفيحِ الغباءِ الأمميّ،

وتحالفِ الأعداء…

ننادي الهواءَ… فيخرجُ دخانُ غزَّة،

يُعزِّي الوجوهَ، ويغتالُ الأنفاس،

هل قُضيَ الأمر؟

كم قنبلةً تبقَّتَ لديكم ليموتَ البحرُ،

ويفقدَ الأفقُ صدى الأسماء؟


كم صرخةً ممزوجةً بغبارِ العظامِ المسحوقة

ترتدُّ علينا بستارٍ سميكٍ من حجارةِ الصمت؟

نغلي من شدَّةِ هدوءِ الصامتين،

على تفجُّرِ أطرافٍ كان لها أن تكونَ جسدًا.

وما أقبحَ الوعودَ التي تصيرُ وقودًا

لكلِّ شيءٍ يتهاوى،

ويُغلِقونَ الحدودَ…

وكأنَّ الأمرَ قد قُضيَ، ولن يبقى أحد!


غزَّةُ لم تعُد تصرخُ…

حتى لو خنقوا هواءَها،

غزَّةُ تتمترسُ في ألسنةِ المشردين،

وتغفو قائلةً:

أنا غزَّةُ… وديعةُ الأرض،

حتى وإن جعلتموني جنَّةً من رماد.


والأحرارُ يأتونَ كأسرابٍ بيضاءَ من زبدِ الألم،

لهم أسماؤهم ولهم شجاعةُ الوجود،

وامتلأتِ الشوارعُ في العالمِ تناشدُ،

ويصرخون:

ولا أحدَ منكم يلتفتُ إلى شعبٍ يُباد؟


اختلفت عناوينُ الصحفِ… والموتُ واحد،

في كلِّ بلدٍ صار الرأسُ بلسانين،

ومشاعرٌ لا تتوحَّدُ إلَّا عند الأوفياءِ لصناعةِ

الودِّ والورد.

شعبٌ يصرخُ: أنقذوا غزَّة!

ورئيسٌ يغمضُ العينَ… ويتغافل.


وجرحُ غزَّةَ إنذارٌ لأطرافِ الأرضِ

أن تمسكَ برُقَّةِ البحرِ ونسائمِ الجبال،

نحنُ كلُّنا غزَّة… نكرهُ أن يموتَ الأمل.


وقُضيَ الأمرُ

أن نصمتَ في ثوبِ الأخلاق،

ونشيِّعَ الكرامةَ جثَّةً في نعشِ الصمت،

ونهتفَ: احمونا من لهيبِ الخجل!

لن نهتفَ إلَّا لنمضي… دونَ ملل.


غِرتُ من عصفورٍ يُغرِّدُ على غصنِ حرِّيَّةِ القدر،

وأنا حرٌّ… مقيَّدٌ بنظراتِ الأحلاف،

صرتُ مشرَّدًا في وطنٍ

غارقٍ في سيلِ الانجراف.

وكلُّ شيءٍ يتحرَّكُ من شدَّةِ الانفجارات،

طارَ البيتُ فغطَّاه ألفُ لحاف.


الغربةُ أن تكونَ في صراع،

العقلُ يصرخُ: الانتماء… الانتماء!

والفمُ تراقبُه الأسماع،

والغربةُ موتُ الذات،

ملفوفةٌ بأوراقٍ

سقطت عن أشجارها منذ زمنِ السقوط،

فحملت الجذورَ والجذوع،

وصرخت: سنعود… الانتماء!


وقُضيَ الأمرُ،

لم ينتهِ نهارٌ مقيَّدٌ بطمسِ الحقيقة،

ولن يُكتبَ أمرٌ ينهي بداياتِ الأخلاق.


ستبقى غزَّةُ غزوةَ الوجدان،

لامعةً… برَّاقة،

نُودِّعُ ونلدُ،

ونبقى نسيجَ الأرض،

بسوارٍ من الوجودِ على شرفةِ القبطان،

فلا حرجَ علينا…

لقد تزوَّجنا من عراقةِ الامتنان.


وكاد أن ينهارَ كلُّ شيء:

البيتُ، الجدارُ، الحديقةُ، الشارعُ، الجامعُ، المدرسةُ، الفرن،

موقفُ الباصات، المشافي، شُبَّاكُ البيت، العتبة…

لكنَّني لم ولن أنهار.


فانتبهْ…

أنتَ مخطئٌ جدًّا،

اقرأ عنواني مرَّةً أخرى:


غزَّةُ، شارعُ الأحرار، خيمةٌ رقمَ ألف…

على يمينِ بقاياكَ المدمَّرة.


وقُضيَ الأمرُ…

أيُّها الوطن، إنَّ نزيفَك يؤلم،

ونزيفُنا دواءٌ لك،

فلا تتوقَّفْ… نحنُ لك.

ودخلنا موسوعةَ القلق… وانتهى عصرُ الكلام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .