مَسَارُ اليَقِين
⸻
المُقَدِّمَة
هذا الدِّيوَانُ لَيْسَ بَحْثًا عَنْ الذَّاتِ،
بَلْ رِحْلَةُ قَلْبٍ تَعَلَّمَ أَنْ يَرَى نَفْسَهُ فِي نُورِ اليَقِينِ بِاللَّهِ.
مِنْ سُؤَالٍ مُتْعِبٍ…
إِلَى سُكُونٍ يَعْرِفُ أَنَّ اللَّهَ أَوْسَعُ مِنْ كُلِّ ارْتِبَاكٍ.
⸻
1) بَدْءُ السُّؤَال
لَمْ أَكُنْ أُدْرِكُ أَنَّ السُّؤَالَ قَدْ يَكُونُ دُعَاءً خَفِيًّا.
كَانَ فِي الدَّاخِلِ شَيْءٌ يَتَحَرَّكُ بِلا اسْمٍ،
كَأَنَّهُ قَلْبٌ يَبْحَثُ عَنْ رَبِّهِ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ الطَّرِيقَ.
وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّنِي أُفَكِّرُ…
حَتَّى شَعَرْتُ أَنَّ الفَهْمَ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي لِيَهْدَأَ هٰذَا الِاضْطِرَابُ.
⸻
2) انْكِسَارُ التَّعْرِيف
كُلُّ تَعْرِيفٍ لِي كَانَ يَضِيقُ،
كَأَنَّنِي أُسْتَدْعَى لِأَكُونَ أَصْدَقَ مِنْ صُورَتِي.
لَمْ أَعُدْ أَسْأَلُ: مَنْ أَنَا؟
بَلْ: إِلَى أَيِّ رَحْمَةٍ أَعُودُ حِينَ أَضِيقُ بِي؟
⸻
3) المِرْآةُ وَالآخَر
الآخَرُ لَمْ يَعُدْ غَرِيبًا،
بَلْ آيَةً تُعِيدُنِي إِلَى نَفْسِي عَلَى نَحْوٍ أَعْمَقَ.
وَكَأَنَّ اللَّهَ يَمُرِّرُنِي عَبْرَ الوُجُوهِ
لِيُعَلِّمَنِي أَنَّنِي لَا أُفْهَمُ وَحْدِي.
⸻
4) زَمَنُ الِارْتِبَاك
الزَّمَنُ لَمْ يَعُدْ مُسْتَقِيمًا كَمَا ظَنَنْتُ،
بَلْ مُتَدَاخِلًا كَأَنَّهُ يُذَكِّرُنِي أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ.
المَاضِي لَيْسَ بَعِيدًا،
وَالْحَاضِرُ لَيْسَ مِلْكًا لِي،
بَلْ كِلَاهُمَا فِي يَدٍ وَاحِدَةٍ لَا تُخْطِئُ التَّدْبِيرَ.
⸻
5) بَيْنَ العَدَمِ وَالحُضُور
لَمْ أَعُدْ أَبْحَثُ عَنْ ثَبَاتٍ فِي الأَشْيَاءِ.
فَكُلُّ حُضُورٍ زَائِلٌ،
وَكُلُّ غِيَابٍ يَحْمِلُ أَثَرًا خَفِيًّا لِحِكْمَةٍ لَا تُرَى.
كَأَنَّ الحَيَاةَ لَا تُفْهَمُ… بَلْ تُسَلَّمُ.
⸻
6) سُكُونُ الإِدْرَاك
تَوَقَّفَ الصِّرَاعُ حِينَ فَهِمْتُ أَنَّ الفَهْمَ لَيْسَ غَايَةً.
السَّكِينَةُ لَيْسَتْ نَتِيجَةَ مَعْرِفَةٍ،
بَلْ نَتِيجَةُ تَسْلِيمٍ لِمَنْ يَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُ.
⸻
7) عَوْدَةُ اليَقِين
لَمْ يَعُدِ اليَقِينُ فِكْرَةً أَبْحَثُ عَنْهَا،
بَلْ طُمَأْنِينَةً تَأْتِي حِينَ أَتْرُكُ ثِقْلَ الِاعْتِمَادِ عَلَى نَفْسِي.
هُوَ أَنْ أَقُولَ فِي دَاخِلِي:
“يَا رَبِّ… كَفَايَةُ عِلْمِكَ عَنْ قَلَقِي.”
⸻
مَا بَعْدَ اليَقِين
لَمْ تَعُدْ هُنَاكَ حَاجَةٌ لِإِثْبَاتِ شَيْءٍ.
فَكُلُّ مَا كَانَ ضَجِيجًا…
صَارَ طَرِيقًا إِلَى هُدُوءٍ لَا يُصْنَعُ، بَلْ يُمْنَحُ.
وَالقَلْبُ لَمْ يَعُدْ يَسْأَلُ كَثِيرًا،
لِأَنَّهُ تَعَلَّمَ أَنَّ الأَمَانَ لَيْسَ فِي الفَهْمِ…
بَلْ فِي اللَّهِ.
⸻
الخَاتِمَة
لَمْ يَكُنِ الطَّرِيقُ خُرُوجًا مِنَ السُّؤَالِ،
بَلْ دُخُولًا فِي رَحْمَةٍ أَوْسَعَ مِنَ السُّؤَالِ نَفْسِهِ.
وَفِي النِّهَايَةِ…
لَا وُصُولَ إِلَّا إِلَيْهِ،
وَلَا يَقِينَ إِلَّا بِهِ،
وَلَا سُكُونَ إِلَّا فِيهِ.
⸻
بِقَلَمِي: بَهَاء الشَّرِيف
التَّارِيخ: ٢ / ٥ / ٢٠٢٦