اعتزالُ الصَّخب.. في حضرةِ الله
يا مَن غمرتْهُ المُجريات، واستنزفتْ لُبَّهُ المُلهيات، حتى باتت روحُه أسيرةً لضجيجِ الماديات، رُويدَك! لقد أطلَّ عليكَ رمضان؛ لا ليكونَ فاصلاً زمنياً في تقويمِ الأيام، بل ليكون انبعاثاً لقلبٍ أثخنتْهُ صراعاتُ الأوهام، في عصرٍ غلبتْ فيه السرعةُ على الخشوع، وبارتْ فيه المعاني خلفَ زيفِ الجموع.
فاعلم أنَّ أعظمَ صيامٍ في هذا الأوان هو صيامُ القلبِ عن شهوةِ الامتثالِ لسلطةِ الشاشة وسطوةِ الضجيج؛ فنحن في زمنٍ الاتصالُ فيه دائمٌ، والوصولُ فيه منعدمٌ؛ نتصل بالعالم كلَّ حين، وننفصل عن ذواتنا في كلِّ آن. فصُم عن «قيل وقال»، وعن تتبُّع أحوال الرجال، وعن لهاث النفس خلف سراب الكمال الرقمي، واجعل صيامك خلوةً وسط الزحام، وصمتاً يُفضي إلى فصيح الإلهام؛ فالله لا يُنادى بضجيج الحناجر، بل بصدق السرائر.
وتأمّل في سيميائية الجوع؛ فهو ليس حرماناً بيولوجياً، بل تسامٍ وجوديٌّ يعيد تعريف «الحاجة»؛ فإفراغ الوعاء إشارةٌ رمزيةٌ إلى إخلاء الصدر من ضغائن الصراعات المعاصرة، وكلما خفّت الأحمالُ عن البدن، زاد تحليقُ الروح في الملكوت. إننا نُجرّب الجوع لنعرف أن سلطاننا على أنفسنا أقوى من سلطان المادة علينا، وأن «التحكُّم» هو جوهر الحرية، لا «الانفلات» وراء المشتهيات.
وفي زمن «الاستعراض» و«التوثيق»، يغدو الإخلاص جهاداً مريراً ضد الرغبة في الظهور؛ فلا تجعل عبادتك خبراً يُتداول، بل اجعلها أثراً في خُلُقك يُتأمّل. واقرأ القرآن قراءةَ مخاطَبٍ تنزل عليه الآيات الآن، لا قراءةَ ناقلٍ بارد؛ فالحروف أجساد، وروحُها التدبّر. وليست العبرة بـ «كم قرأت؟» بل بـ «كم قرأ القرآن فيك؟» وكم هدم من كِبْرٍ، وبنى من يقين.
فاعمد إلى الانقطاع النوعي، وخصّص وقتاً «للبياض الروحي»، حيث لا إشعارات ولا صخب؛ لترمّم ما هدمته خوارزميات الحياة في بنيانك النفسي. وعوّد جوارحك على «البطء المتعمَّد»؛ فالسرعة لغة الماكينة، والسكينة لغة الروح. واجعل الصيام فرصةً لغسل الذاكرة من تراكمات القلق التنافسي، وتذكّر أن رزقك عند الله مكفول، وأن السعي لغير وجهه مخذول.
ثم قل في مناجاتك:
إلهي وملاذي، باسمك الذي لا يُضام من احتمى بحماه، أتيتك بقلبٍ قسّمته النوازل وشتّتته الشواغل، في زمنٍ صخبه يبتلع صوت الفطرة، وضوؤه المزيّف يغتال بريق العِبرة، فداوِ ببلسم عفوك كلَّ مجروح، وصُم بأسماعنا عن لغو الدنيا، وبأبصارنا عن زيف المظاهر، واجعل صلاتنا معراجاً نخرج به من ضيق «اللحظة» إلى سعة «الأبد»، ولا تجعل حظّنا من رمضان صورةً تُنشر، بل توبةً تُؤثر، ودمعةً تُغفر.
فإن رمضان مختبر الإرادة، فإذا خرجت منه ولم تتغيّر بوصلة اهتمامك، فأنت لم تصم عن الدنيا، بل صمت عن الطعام فحسب؛ هو نداءٌ سماويٌّ يقول لك: «كُن بقلبك مع الخالق، وبجوارحك مع الخلائق».
فيا أيها السائر في تيه العصر، إن سفينة النجاة مِجدافها الذكر، وشراعها الشكر، ومرساها الفكر.
الشاعر و الأديب عاشور مرواني - الجزائر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .