"طحين العنكبوت"
قصيدة للشاعر طاهر عرابي
دريسدن – كُتبت النسخة الأصلية 25.03.2024
نُقّحت في دريسدن – 21.02.2026
جائرٌ هذا الصبرُ،
وهذا الغدرُ، والجورُ المفصّلُ كثوب الحجر،
يخيفنا من يسأل: متى يموت الهواء؟
ومتى يتفاعل الفناء في وحلِ الخبرِ؟
لا تنجو من المطر الذي نسيك،
وهو يتبخر
وغيمُه أنينٌ على ماءٍ يحمله الغبار.
غزة صارتْ ملحمةَ الخرابِ،
كذّابٌ يدفعُ بكذّابٍ،
وخائنٌ يُصالحُ خاسرًا،
والهدفُ واحدٌ:
أن تموتَ وأنتَ تنظرُ إلى الألغام
عبر ثقوبٍ تطلُّ على البحر
وعلى أبوابٍ موصدةٍ بالعدم.
جاء رمضانُ يبحثُ عن صحنٍ،
خيمه أو بيت أو زيتونة تتجلى،
لنصومُ معه النهار
ونحذره عند الإفطار،
حين يختلط المساء بالضحايا،
يرتجف رمضان ويحمل رغيفَ الهواء،
ونبقى نحن في التنور،
نار على طين وقرميد حصار.
تتجمّعُ الناسُ حولَ قرصِ العجينِ،
لقد تصدّق به أعداؤنا،
بعد أن قتلوا القمح في سنابله
وخنقوا المحراث في أرض البقاء
وحرموا على الطاحونة الهواء،
لا رغيف ينضج من زفير حَطَبَ للموقدِ،
والنارُ المحيطةُ لا تصلحُ إلا للموتِ.
فسفورية المنشأ مثل خليط المخابر،
نتركها ونمضغ ما تبقّى من الطحين
في بيوت العناكب.
رمضانُ يرى ما لا يُرى، بين كفين من رماد،
خلف جدار سرقت منه حجارته
فصار هواء يحمل اللوعة،
يعرف أين ينامُ الرصاصُ ومتى تُلقى الأرواحَ قرب السكينة اليقظة،
وفي كلِّ غزةَ تُحرثُ الأرضُ في الليل،
وتُدفنُ العبواتُ شرارةً بلا فتيلٍ،
يحوّلُ الهمسَ موجًا،
فنخرجُ نهتفُ بالمستحيل.
نتبادل بطاقة الكلام، فاللسان غارق في اللظى المكنون.
يطوفُ علينا حتى المغيب،
ونحنُ نتوقُ ليبقى حتى تنتهي الحرب.
هل نجد رمضانَ بسترتِه البيضاء؟ كما كان يأتي،
وهو الذي يوحّدُ الناس حول دائرةٍ مستديرةٍ،
العينُ على رغيفِ الخبز،
والعين لا تجد مكانًا للعبث في قلب الخراب،
والنفسُ راضيةٌ تذلل العذاب.
ما زلنا نفرّقُ بين نداء الروحِ في الأعناق
والإصبعِ التي تحمل لذه السحور الضائع،
ونستأذنُ لكي نُخطئ في لذه الذكرى،
ونؤمن أنَّ في القتلِ نهايةً ما بعدها نهايةٌ،
نهاية تشبه غياب الضوء عن العقول.
رمضانُ جاءَ،
نشربُ معه من كأسِ الصفاءِ،
ونُريه أيدينا البيضاء،
ننحني في بقائه،
كأننا نتحرّر من اهتزازاتِ الأرض
ونميل لغفوه المأمون في السكون.
ونقول له حين تعود:
ستلقانا في عُرسِ المحبّة،
نُعانق بعضنا
كجناحين على خاصرةٍ تنام على وسادة.
خارجين من محطّاتِ الانتظار،
فلا موعدَ لنا مع أحد،
ولا شوقٌ أكبر من شوق أنفسنا
لمنح التعب وسامًا من تراب،
لنترنح تحت نارٍ باردةٍ من ضوءِ القمر.
سنحذرُ العيدَ من ألغامٍ دفنها الأعداءُ،
لكنّنا سنبحثُ عن طاولةٍ يمرّ تحتها نهرٌ،
تسبح فيه الأسماكُ ويعلو نعيقُ الضفادع،
ياليتنا أمسكنا بالعصافير
وبنينا لها عشا تحمله الأصابع.
كلُّ الهمسات تتدافع لتصير غناءً،
ينحني له الأطرشُ والسامعُ.
دريسدن – طاهر عرابي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .