عُشٌّ مَسكونٌ بِالشَّوق
زياد دبور*
أرواحُهم تَسكُنُ الغُرفةَ
تَختَبِئُ بينَ الضَّوءِ والعَتَمَةْ
والهَواءُ يَحتَفِظُ بأسمائِهِم
يَتلعثَمُ كَأنّهُ يَخافُ أن يَنسى
أذكُرُ حَرفَهُم الأوّل
كيفَ تَدحرَجَ كَحَبَّةِ لؤلؤٍ
في بَحرِ فَرَحي،
وخُطوَتَهُم الأولى،
فَراشَةٌ تَتَعلَّمُ التَّوازُنَ على جَناحِ الضُّوءِ
تَسقُطُ، تَنهَضُ،
وقَلبي يَرتَجِفُ مَعَ كُلِّ رجفَةٍ
الضَّوءُ يَمُرُّ مِن النّافِذَةِ
كَأنّهُ يَبحَثُ عَن أحِبَّةٍ غابوا
يَنحَني على الأرضِ
يَتَلمَّسُ آثارَ خُطواتِهِم
تِلكَ التي نَقَشَتْ القَلبَ
بِحبرٍ لا يَجِفّ
كُنتُ أَختَبِئُ في صَمتِهِم
أُنصِتُ لِهَمَساتِ أنفاسِهِم
وأخافُ عَليهِم
مِن هَمسَةِ ريحٍ،
مِن وَمضَةِ بَرقٍ
تَسرِقُ الدِّفءَ مِن أيديهِم الصَّغيرَةْ
حينَ يَصرُخونَ،
يَرتَعِشُ قَلبي كَوَرَقَةٍ
في مَهَبِّ العاصِفَةْ
أركُضُ نَحوَهُم
كَعُصفورٍ يَحمي عُشَّهُ
مِن كُلِّ هَشّةِ خَوف
كُنتُ أخافُ عَليهِم
مِن النّورِ إذا اشتَدّ
مِن الظِّلِّ إذا طَال
مِن ضِحكَةٍ قَد تُخدِشُ قُلوبَهُم
ومِن دَمعَةٍ قَد تَجرَحُ وجوهَهُم
كانوا يَنسِجونَ مِن هَواءِ الغُرفَةِ
عَوالِمَ مِن خَيالْ
"أنا أميرُ الفَضاءِ!"
"وأنا فارِسَةٌ على قَوسِ قُزَحْ!"
"وأنا... سَأطيرُ إلى آخِرِ النُّجومْ!"
وأرى أحلامَهُم تَتَراقَصُ
كَفَراشاتٍ مِن ضَوءٍ
تُزَيِّنُ سَقفَ الغُرفَةِ
بِنُقوشٍ مِن فَرَحْ
على زُجاجِ النّافِذَةِ
تَرسُمُ أصابِعُهُم عَوالِمَ سِحريَّةً
يَضحَكونَ حينَ يَمحوها البُخارْ
ثُمَّ يَعودونَ لِرَسمِها مِن جَديدْ
"احكِ لي قِصَّةً يا بابا"
"لا... اثنَتَينِ!"
"بَل ثَلاثاً!"
وتَمتَدُّ الحِكايَةُ بَينَنا
كَخَيطٍ مِن ضَوءٍ
يَربِطُ الأرضَ بِالسَّماءْ
في رُكنِ الغُرفَةِ
ظِلُّ حِضنٍ مَفتوحٍ
تَنمو فيهِ أشجارُ ذِكراهُم
وتَتَساقَطُ أوراقُها
كَقَصائِدَ مِن شَوقْ
عندَ الجِدارِ
يَكتُبونَ بِحبرٍ مِن ضَوءٍ:
"هُنا ضَحِكنا حتّى انكَسَرَ الوَقتْ"
وتَختَبِئُ أصواتُهُم
كَعَصافيرَ مُهاجِرَةٍ
في مَواسِمِ الشَّوقْ
في كُلِّ رُكنٍ
تَسقُطُ ذِكرى
وفي كُلِّ شُقٍّ مِن الجِدار
يَنبُتُ صَدى ضَحِكَاتِهِم
"ماما!"... تَتَردَّدُ كَنَبضٍ
لا يَسكُنُ أبَدًا
الحُزنُ؟
لَيسَ حُزناً
إنّهُ الحُبُّ حينَ يَفقِدُ يَدَيهِ
ويَبقى يُعانِقُنا بِظِلِّهِ
أنا لا أَبكي
أنا أَجمَعُ أَنفاسَهُم
وَأُطْلِقُها كَنَسيمِ الفَجر
لِتَعرِفَ الغُرفةُ
أنَّهُم لَم يَذهَبوا...
هُم نَفَسُ الوَقتِ هُنا
صَدى الزَّمَنِ المُقيمْ
في كُلِّ حافَّةِ نُور
وفي كُلِّ زَفيرِ شَوقْ
*. © زياد دبور ٢٠٢٥
جميع الحقوق محفوظة للشاعر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .