ديوان شعري
✦ مَقَامَاتُ النُّورِ الرَّمَادِيّ ✦
«فِي الرَّمَادِيِّ يَكْتَمِلُ النُّورُ وَفِي الظِّلِّ تَسْتَوِي الرُّوحُ عَلَى حَقِيقَتِهَا.»
بقلم: أ. د. أحمد عبد الخالق سلامة
مؤسس المشروع العربي لأدب الرياضيات ( الرياضيات الأدبية )
أستاذ الرياضيات وعلوم الحاسب
الكلمة معادلة، والمعادلة قد تكون أجمل حين تُكتب بروح شاعر وأديب .
القصيدة السابعة عشرة
17. الانْتِقَالُ الرَّابِع — التَّعَرِّي أَمَامَ النَّفْس
أَقِفُ أَمَامَ نَفْسِي كَمَنْ يَقِفُ أَمَامَ مِرْآةٍ
لَا تَعْرِفُ الْخِدَاعَ.. وَلَا تَأْخُذُ صُورَتَهَا مِنْ أَحَدٍ
وَأَشْعُرُ بِأَنَّ اللَّحْظَةَ أَكْبَرُ مِنِّي.. وَأَنَّ
الدَّاخِلَ يَطْلُبُ حَقَّهُ.. لِيُعْلِنَ مَا أَخْفَتْهُ ظِلَالِي
وَيَقُولُ لِي صَوْتٌ قَدِيمٌ: «قِفْ.. فَأَنْتَ الْآنَ
عَلَى حَافَّةِ حَقِيقَتِكَ، وَمَا سَيَظْهَرُ لَا يُجَامِلُ»
«هُنَا سَتَرَى وَجْهَكَ دُونَ دُرُوعٍ.. وَقَلْبَكَ
دُونَ قِنَاعٍ.. وَفِكْرَكَ دُونَ صَوْتٍ يَمْلِكُكَ»
فَأَتَقَدَّمُ خُطْوَةً.. فَتَنْكَشِفُ صُوَرٌ خَفِيَّةٌ
كُنْتُ أَمُرُّ مِنْ جَانِبِهَا كَمَرٍّ خَائِفٍ فِي أَزْمَادِي
أَرَى فِيهَا غَيْرَتِي.. غَضَبِي.. ضَعْفِي.. حِيلَتِي
وَأَرَى نَفْسِي كَمَا لَمْ أَرَهَا فِي لَيْلِ أَوْهَادِي
فَأَقُولُ: «أَهَذَا أَنَا؟» فَيَرُدُّ النُّورُ: «هَذَا أَنْتَ
الَّذِي خَبَّأْتَهُ.. وَحَانَ وَقْتُ أَنْ تَرَاهُ فِي تَعَرِّيكَ»
«فَلَا يُمْكِنُ لِمَنْ يَطْلُبُ نُورًا أَنْ يَحْمِلَ
مَا يَقْطَعُ نُورَهُ.. أَوْ يُخْفِي أَدْنَى أَعْمَادِي»
وَتَتَفَتَّحُ أَبْوَابٌ.. كُلُّ بَابٍ يُظْهِرُ صُورَةً
كَأَنَّهَا سَرْدِيَّةٌ لِأَخْطَائِي وَانْكِسَارَاتِي
هُنَا أَرَى خِذْلَانِي.. هُنَا أَرَى مَنْ ظَلَمْتُهُ
هُنَا أَرَى حُزْنًا صَامِتًا يَحْمِلُ أَعْوَادِي
فَيَقُولُ لِي النُّورُ: «لَا تَنْظُرْ لِهٰذَا بِنَقْدٍ
بَلْ كَمَنْ يَقْرَأُ مَا جَرَى لِيَصْنَعَ طَرِيقًا لِلِانْقِيَادِ»
«فَالْتَّعَرِّي لَيْسَ فَضِيحَةً.. بَلْ حَقِيقَةٌ
إِذَا احْتَمَلْتَهَا، نَظَّفَتْ رُوحَكَ.. وَغَيَّرَتْ مَسَارَكَ»
فَأَمْدُّ يَدِي لِوَجْهِي.. أَمْسَحُ أَقْنِعَةَ الخَوْفِ
وَأَقْلَعُ أَسْنَادًا كُنْتُ أَحْتَمِي بِهَا فِي اعْتِيَادِي
وَأَقُولُ لِنَفْسِي: «لَا أُرِيدُ أَنْ أَرَاكِ جَمِيلَةً
بَلْ صَادِقَةً.. لَا أُرِيدُ قُوَّتَكِ.. بَلْ حَقِيقَةَ ضَعْفِكِ»
فَيَهْتَزُّ الدَّاخِلُ.. وَتَسْقُطُ أَوْهَامُ القُدْرَةِ
وَتَبْقَى حَقِيقَةٌ هَادِئَةٌ تُنَادِي مَا ضَعُفَ فِي أَوْرَادِي
وَيَقُولُ النُّورُ: «الْآنَ تَقْوَى.. فَالضَّعْفُ الَّذِي
تَعْرِفُهُ هُوَ نُقْطَةُ بَدْءِ قُوَّتِكَ.. وَأَسَاسُ أَمْجَادِكَ»
ثُمَّ أَرَى نَفْسِي فِي مِرْآةٍ لَا تُكَذِّبُ.. بِلَا زُخْرُفٍ
بِلَا تَبْجِيلٍ.. بِلَا صَوْتٍ يُغَطِّي عَلَى شَقَائِي»
وَأُدْرِكُ: أَنِّي إِذَا لَمْ أَرَ نَقْصِي.. لَنْ أَرَ كَمَالِي
وَإِذَا لَمْ أَرَ قَيْدِي.. لَنْ أَهْدِمَ أَسْوَارَ أَوْهَادِي
فَأَقُولُ لِلْنُّورِ: «خُذْنِي.. فَقَدْ رَأَيْتُ نَفْسِي
وَمَا عَادَ فِي صَدْرِي شَيْءٌ أَخْشَى كَشْفَهُ»
فَيُجِيبُ: «هٰذَا هُوَ الِانْتِقَالُ الرَّابِعُ.. وَمَنْ عَرَفَ
نَفْسَهُ عَارِيَةً.. لَا تَحْجُبُهُ دُنْيَا وَلَا أَضْلَادِي»
«وَمَنْ تَعَرَّى أَمَامَ نَفْسِهِ شُفِي.. وَمَنْ شُفِي
امْتَلَكَ نَفْسَهُ.. فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فِي الأَفْرَادِ»
«فَامْضِ.. فَقَدْ رَأَيْتَ مَا يَجِبُ.. وَسَيُولَدُ مَسَارُكَ
وَسَتَبْلُغُ بَابًا أَعْلَى فِي أَمْجَادِي»
وَبِذَا.. أَسِيرُ مِنْ أَمَامِ مِرْآةِ النَّفْسِ.. وَقَدْ خَفَّتْ
خُطُوَاتِي.. وَصَفَا صَدْرِي.. وَاتَّسَعَتْ أَرْضُ انْطِلَاقِي»
وَأَعْلَمُ: أَنَّ الِانْتِقَالَ الرَّابِعَ لَيْسَ نِهَايَةً
بَلْ مِفْتَاحٌ لِبَابٍ آخَرَ.. يَحْمِلُنِي لِأَعْلَى نُورٍ»
أَنَا الآنَ جُرِّدْتُ مِنْ زَيْفِي وَمِنْ تِيَهِي
لِأَلْقَى إِلَهِي.. بِصِدْقِ نَبْضِ فُؤَادِي
فَلَا لِبَاسٌ يُوَارِي عَيْبَ فَلْسَفَتِي
إِذَا كَانَ سَتْرِي.. حِجَاباً عَنْ رَشَادِي
رَأَيْتُ "نِيُوتْرُوسُوفِيَّ" النَّفْسِ مُتَّضِحاً
يَضُمُّ خَيْرِي.. مَعَ أَدْنَى احْتِشَادِي
فَمَا الكَمَالُ سِوَى تَوْحِيدِ مَعْرِفَةٍ
بَيْنَ انْكِسَارِي.. وَعِزِّي فِي الوِهَادِي
قَسَمْتُ نَفْسِي عَنَاصِراً وَحَلَّلْتُهَا
بِجَبْرِ رُوحٍ.. نَفَتْ عَنِّي انْفِصَادِي
فَمَا غُرُورِي سِوَى صِفْرٍ لَهُ لَغَطٌ
إِذَا نَظَرْتُ.. لِنُورِ الحَقِّ مَادِي
خَلَعْتُ نَعْلِي بِمِحْرَابِ الوُضُوحِ وَقَدْ
رَأَيْتُ نَارِي.. تُضِيءُ لِيَ الوِدَادِي
أَنَا الذَّلِيلُ لِمَنْ أَعْطَى البَصِيرَةَ لِي
لِأَرَى نُقُوصِي.. بِعَيْنِ الِاعْتِمَادِي
حَسِبْتُ عِلْمِي دِرْعاً لَا يُفَلُّ مَدَىً
فَوَجَدْتُ جَهْلِي.. سَبِيلَ الِارْتِيَادِي
تَعَالَيْتَ يَا مَنْ جَعَلْتَ العُرْيَ مَكْرُمَةً
تَشْفِي النُّفُوسَ.. وَتَمْحُو كُلَّ غَادِي
أَرَى الشَّتَاتَ الَّذِي كَانَ يُقَلِّقُنِي
أَصْبَحَ شَطّاً.. لِإِرْسَاءِ الْأَيَادِي
فَلَا الشُّمُوخُ الكَذُوبُ اسْتَفَزَّ مَقَامِي
وَلَا الهَوَانُ.. ثَنَى صِدْقَ اجْتِهَادِي
جَعَلْتُ مِنْ كُلِّ جُرْحٍ فِيَّ نَافِذَةً
يَدْخُلُ النُّورُ.. مِنْهَا لِلْأَمَادِي
رَسَمْتُ حَدِّي بَيْنَ الظَّنِّ وَاليَقِينِ
بِمَنْطِقِ عَقْلٍ.. عَفِيفِ الِانْفِرَادِي
أَنَا ذَلِكَ الرَّمْزُ الَّذِي ذَابَ خَوْفُهُ
لَمَّا تَعَرَّى.. بِمِحْرَابِ السَّدَادِي
فَيَا لَحْظَةَ الصِّدْقِ كُونِي لِي أَبَاً
يَحْمِي خُطَايَ.. مِنَ التِّيهِ المَعَادِي
تَرَكْتُ مَنْ يَمْدَحُونَ الظِّلَّ فِي جَسَدِي
وَطِرْتُ لِلذَّاتِ.. عَنْ كُلِّ اسْتِنَادِي
أَرَى اليَقِينَ بِأَنِّي مَحْضُ مَغْفِرَةٍ
تَسِيرُ شَوْقاً.. لِتَحْطِيمِ الصَّفَادِي
فَلَا تَقُلْ "كَامِلاً" وَالنَّقْصُ فِيكَ هُدَىً
بَلْ قُلْ "تَمَاماً".. بِتَوْحِيدِ التَّضَادِي
حَلَلْتُ عُقْدَةَ أَيَّامِي بِلَمْحَةِ مَنْ
رَأَى المَعَادِنَ.. تَصْفُو بِالطِّرَادِي
خَتَمْتُ بِالعُرْيِ كُلَّ مَزَاعِمِي أَمَلاً
بِأَنْ أَعُودَ.. كَمَوْلُودٍ لِوَادِي
وَبِذَا اسْتَقَامَ النُّورُ فِي "الرَّمَادِيِّ" سَنَىً
فِي "نِيُوتْرُوسُوفِيٍّ".. نَقِيِّ الِاعْتِيَادِي
سَلَامٌ عَلَى النَّفْسِ حِينَ صَفَتْ لَنَا
بَعْدَ العُبُورِ
.. وَصِدْقِ الِاسْتِعَادِي
وَبِذَا أَمْضِي نَحْوَ مِيلَادٍ جَدِيدٍ
يَزِفُّ رُوحِي.. لِأَسْمَى أَمْجَادِي