(على المَركبات) - فوقَ عرَبة (كارو) - محمد رشاد محمود
ما بين قرية البرمبل منشَأ أجدادي الذينَ تناوَبوا العُموديَّةَ في جنوب الجيزة وقرية الخُرمان ، حيثُ يقطنُ بعضُ الأقارب على الضفَّة الشرقيَّة من النيل ، يضربُ طريقٌ تُرابِيٌّ ضيِّقٌ يتمَطَّى بين أعواد الذرة ذاتَ اليَمين وذاتَ اليسار ، لِمسافَةٍ يعسُرُ على المرء أن يخوضَها إلا أن تكونَ أداتُه حمارًا يمتَطيه ، لم يكُنْ يندُرُ أن يميلَ براكبه إلى الترعَة إذا ظمئَ - الحمارُ ، لا هوَ - حتَّى يوشك أن يقلبَه فيها ، وحافتُها مُتَحَدِّرَةٌ في سفولٍ لا يأمَنُ معه أن يُشفي على التَّلَف أو (عربَة كارو) يستأجِرُها فلا تنفَكُّ صاعِدَةً به هابِطَة ، وهيَ على ذلِكَ آمَنُ وأسرَعُ ، وكانَ أجمَل ما يكونُ مسراها ، وقد غلَّفَ الأرض طيلسانُ الظُّلمَة ولعلَعت النجوم في أجواز السماء ، وهبَّت معَ كلَّ دورَةِ دولابٍ ، وعلى إيقاعِ تقَلُّبِهِ ، نسمَةٌ عبِقَةٌ بأنفاس الزروع ندِيَّةٌ بلعاب النيل ، وفي مثل تلكَ الحال من صيف عام 1977 وأنا في الثالثَة والعِشرين نظَمتُ هذه القَصيدةَ :
أطَيْـــــــفًا أرَى أمْ خيــَــــالًا سَــرَى
وكَــونًـــا تُـــرَى أم خِـداعَ الكَــــرَى
قَطَعْنــــا الـفَضَاءَ على مَركبـــَـــاتٍ
تَــدبُّ دَبــيــبَ الـــرَّخَـا في الضَّنَى
وقَــد راحَـتِ الـحُمْـرُ مُستَــرسِلاتٍ
فُوَيْـــقَ التُّـــرابِ وفَــوْقَ الحَـصَى
تَرَنَّـــــمُ إِمَّـــــا عَلَــــــتْ نَبْـــــــوَةً
فَيَــصْغَـى لهَـــــــا بالنُّـــزاءِ الـصَّلا
وقَــد رصَّعَـتْ ذاهِيـَـاتُ النُّــجـومِ
جَبيـــنَ السَّمَــــاءِ وَوَجْـهَ الفَـــــلا
تَبَسَّمنَ عَنْ حُلكَــةِ اللَّيْــلِ شاعَتْ
كَلَـمْـعِ الـخَـواطِـرِ بَيــْـــنَ الصَّـدَى
كَــــذا فَلْتَــكُنْ نَيِّــــرَاتُ الـعقـولِ
علَـى الـطِّـرسِ مَســرًى وإلَّا فَـــلا
وَصَلنـَـاهُ شَوْطًـا حَصورَ الجَمَــامِ
لـدَى النَّفسِ سَلمًا مَديـدَ المَسَــى
مُحَـاطًـا بــأدوَاحِــــهِ المُسْــدِلاتِ
عَلَى اللَّيـْــلِ لِلَّيـْــلِ مَعنَى العَشَـا
رَفيــقًا لَـــــــهُ جَلـــــوَةٌ بِالـــفؤادِ
كَمَــــا نَضَّـرَ الـزَّهْـــرَ رَفُّ النَّـــدَى
(محمد رشاد محمود)
...................................................................
الرَّخا : الهَشاشَة . يَصْغَى : يَميلُ .
الصَّلا : وَسَطُ الظَّهْرِ وما انْحَدَرَ من الوَرِكَيْنِ .
الفَلا : جمعُ الفَلاة ، وهيَ القَفرُ أو الصَّحراءُ الوَاسِعَة .
الصَّدَى : الدِّماغ . الجَمامُ : الرَّاحَةُ .
المَسَى : الرِّفقُ في السَّيْرِ . العَشَا : سوءُ البَصَر .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .