الثلاثاء، 29 أبريل 2025

قمر من شظايا بقلم الراقية سعاد شريف

 عنوان: قمر من شظايا


لم يكن هناك أرض تحت قدميها، ولا سماء فوق رأسها، فقط هواء لزج بلون العفن ومدينة تتدلى من الغيوم مثل بقايا ندم.

السيدة كانت تمشي، أو تطفو — لا فرق، فالزمن مبلل ولا يقف على قدمين.

ترتدي فستانا مخيطا من جمل مبتورة، من صحف احترقت ولم يطفئها أحد.

في يدها حقيبة مليئة بمفاتيح صدئة، تفتح بها الأبواب التي يهرب منها الضوء.


أمامها كان الموتى يشربون في حانة اليقظة.

كراسيهم دون أرجل، وجلودهم خفيفة، كأنهم أشباح فقدت حتى حقها في الطنين.

قالت بصوت يشبه احتكاك السكاكين:

"من يرقص؟"

ولم يجبها أحد.

رقصت وحدها، وبدأ البلاط يبكي. كل خطوة منها حفرت صرخة في الأرض، وكل التفافة حركت الغبار في صدر الزمن.


ثم خرجت،

مشت في صحراء مصنوعة من أوراق تم رفضها في طابعات الروح.

الريح كانت تهمس بأسماء موتى لم يولدوا،

والسماء أرجوانية، مخروقة، تنز دخانا ببطء يشبه النسيان.


وقفت.


أخرجت مرآة بحجم قلب بشري،

نظرت فيها.


فرأت طفلتها،

نسختها الأولى،

تجلس على تل من دمى بلا أعين،

تبكي كأنها لم تفعل شيئا آخر في حياتها.


اقتربت منها،

مدت يدها،

ضحكت الطفلة،

ثم تفتتت،

واختلطت بذرات الهواء.


السيدة ..بقيت واقفة.

تنفست.

رفعت يديها نحو السماء الفارغة.


وأخيرا..

نزعت وجهها كما ينزع القناع في نهاية حفلة موت.

رفعت وجهها المبلل بالخيبة وعلقته في السماء،

فأضاء القمر لأول مرة منذ قرون.


ومنذ ذلك اليوم،

كل من ينظر إلى القمر...

يرى وجهها،

يبتسم.

ثم يبكي، دون أن يعرف السبب.


سعاد شريف

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .