الثلاثاء، 11 يوليو 2023

أهمية الانزياح في القصيدة.... بقلم الأديب الدكتور.. الشاعر التلمساني علي بوعزيزة

أهمية الانزياح في القصيدة

ظلت اللغة زمنا أداة يعبر بها الكاتب عن فكره وموضوعه، مخلوقا ثابتا لا ينطق بنفسه عن شيء، بل يفصح به المبدع عن كل شيء، بيد أنّ هذا المنظور قد ولّى، وأضحت اللغة أداة في إنتاج إبداع فكرة الكاتب، خالقة لموضوعه، مبدعة له. إنّها عين الإنسان على هذا الوجود وفي نفس الوقت طريقته في تركيب هذا الوجود وبنائه. لذلك احتاج الإنسان في تعمقها ومعرفة أسرارها نوعا جديدا من الدراسة، دراسة اللغة، ودراسة الكائن المتحول باللغة؛ إنها الأسلوبية.

فاللغة في حد ذاتها كما قال والتر هيلتون: «تشبه الماء، باردة ولا طعم لها وهو يعني بذلك اللغة وهي ما تزال بعد مادة غفلا، لم تنتقل بالممارسة والاستعمال إلى حيث تتشكل في نسق تعبيري، ثم إلى حيث يتشكل من هذا النسق وتضافره نظام قولي أو أسلوب، له وظيفته الخاصة، وله سماته الفارقة في العمل الأدبي، فحين يتم هذا الانتقال يغدو "ما كان باردا ولا طعم له" عامرا بالدفء والحرارة، متميز اللون والرائحة والمذاق.

وقد شرعت الأسلوبية في البحث عن هذا اللون والرائحة والمذاق، للوقوف عما يميز الكلام الفني عن غيره من أصناف الخطاب. ورأت أن ذلك يتحقق عن طريق خرق القواعد المعروفة للنظام اللغوي العادي، سواء في مستواه الصوتي أو الصرفي أو التركيبي أو الدلالي، لخلق لغة شعرية، تتهيأ من غير المتوقع أو خيبة الانتظار، فالمبدع يتجاوز دائرة الإبلاغ إلى دائرة التأثير والانفعال -الناتجة عن تعانق الوظيفة الجمالية الشعرية مع الوظيفة الإبداعية -وهذا ما يسمى في الدراسات النقدية الحديثة بالانزياح أو الانحراف الأسلوبي. حيث أصبح هذا المصطلح شائعاً في الدراسات النقدية الحديثة وأمسى المعيار الحقيقيّ، الذي يمكن أن يكشف مدى صدق انتماء القصيدة إلى هوية الشعر. هذا الشعر الذي له لغته الخاصة التي تميزه عن النثر والكلام العادي الساري وفق صرامة القاعدة والتزام القانون، بينما تعدل لغته عن ذلك لتشكل انزياحا يفضي إلى جمالية شعرية. فبقدر ما تنزاح اللغة عن الشائع والمعروف نحقق قدرا من الشعرية في رأي كوهين: «نستطيع أن نقدم البرهان النقيض فنثبت أنه يكفي أن نحذف الانزياح أو نضعفه في أي صيغة شعرية لينتفي الشعر» وقدنظر اللغويون -من قبل ومن بعد -إلى لغة الشعر نظرة خاصة فأجازوا فيها ما لا يجوز لغوياً ونحوياً، باسم" الضرورة الشعرية " يقول الخليل بن أحمد: «الشعراء أمراء الكلام يصرفونه أنى شاءوا، وجائز لهم ما لا يجوز لغيرهم».  كما تلمّس بعض النقّاد بإحساسهم الفنيّ طبيعة التجربة الشعرية وداروا حول معنى الانزياح وهم يتحدّثون عن المجاز ومعنى المعنى، فكان الشاعر يجاهد من أجل أن يزيح اللّفظ عن موضعه الأصليّ، وينحرف بالمعنى عمّا تواضع عليه العامَّةُ. وذلك عبر استخدام تقنيات الاستعارة والمجاز، إضافة للمخيّلة الشعرية.

ولعل هذا الشائع من تلك الجوازات، والمجازات ما هو إلا مظهر من مظاهر لغة الشعر التي يحلق بها الشاعر في فضاء رحيب من الخيال غير مكترث بقيود اللغة، فالخروج عن نسيجها في أي مستوى من مستوياتها (الصوتي، التركيبي، الأسلوبي، البلاغي) يمثل في حدّ ذاته حدثا أسلوبيا. إنها خروقات للمعيار، وتمرد عليه. وهنا يصدق قول محمد بنيس: «إنّ الخروج من القوانين العامة إلى القوانين الخاصة لا يأتي صدفة، ولكنّه بحث في سؤال الإبداع» أوليس الشعر في أصله تجاوز لنمط التفكير، والتعبير السائد إلى نمط آخر يخفيه هذا التجاوز أو الانحراف الأسلوبي.

وقد ورد في الدراسات النقدية العربية القديمة والحديثة عدد من المصطلحات يمسّ مفهوم الانزياح على درجات متفاوتة من القرب أو البعد منها: الإبداع والعدول والتغيير والانحراف والخروج واللحن.

قد يغتر كثير ممن يتشبثون بالقصيدة العمودية، زاعمين أنها الشعر كله وما سواها هدر وهراء، ولكن الحق والحق أقول إن كثيرا مما يكتب ما هي إلا كلمات مصفوفة وأشطر مرفوفة، تكاد تخلو من كل مقومات الشعر الحقيقي، فهي قصائد تعليمية تشبه كثيرا ما كتب في النحو والفقه نظما يساعد المتعلمين وييسر لهم حفظها.

ولكننا لا نبخس الناس أشياءهم فهي على أية حال ثراء ومكسب في كل الأحوال للغة العربية. بينما قد يجد المرء أحيانا قصيدة حداثية مفعمة بمقومات الشعر، مترعة بالتناص والانزياح والغموض والخيال يجعل المتلقي تائها في فك شفراتها، بل تتعد فيها القراءة وتتنوع، إذ لم تعد ملكا للمبدع فهي الآن بين أيدي المتلقي يفسرها من زاويته وأفقه، ومع ذلك لا نزعم أننا من أنصار القصيدة الحداثية وأعداء العمودية، بل نعتقد أن كلاهما إبداع يثري اللغة العربية ويسمو بالأدب العربي نحو العالمية. من منا يستطيع أن يوقف حركية الزمن وسنة التطور وفسحة الانفتاح؟

بقلم الشاعر التلمساني بوزيزة علي


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .