السلام عليكم و رحمة الله وبركاته ..
الحلقة السادسة عشر
كما وعدناكم ..
نلتقي اليوم لنتحدث عن أجمل قصة مرت في التاريخ
الإنساني ..
قصة يوسف عليه السلام ..
"""منهج الفن القصصي """""
في قصة يوسف عليه السلام
نجد في هذه القصة بناء" محكما" من الفن القصصي العالي ..
وفيها من وحدة الموضوع و إحكام التصميم وجودة الحبكة ، و عمق الحدث ما يقف العقل الانساني عاجزا" أمامه ..
وشخصية يوسف عليه السلام ، بطل القصة المطلق
والشخصية الرئيسية التي تدور حولها الأحداث ...
وبقية الشخصيات في القصة تظهر و تختفي كلما دعت الحوادث في تسلسلها إلى ذلك ..
فقصة يوسف عليه السلام
ضمت بين مفرداتها أدق العناصر القصصية التي يبنى عليها الفن القصصي من مقدمات الى عقد ومفاجآت
و أحداث تتفرع و تتأزم لتأخذ
بلب المتلقي ، ثم تأخذ رويدا"
رويدا" بالوصول إلى الحل الذي
يسجل انتصار الحق ، ويصور جريان القدر وراء الأحداث على وجه يعلم المؤمن الدراك
كيف تحرك العناية الإلهية الأسباب التي تؤدي في النهاية
إلى ما كان غير متوقع في البداية ...
في هذه القصة الكثير من البلاغة الإعجازية ،ضمن شروط الفن القصصي العالمي و التي شبه متفق عليها ومنها أن يؤخر الحل إلى نهاية القصة ، بحيث يكون مفاجأة غير متوقعة ،أما في قصة يوسف عليه السلام فقد وضع الحل في الآية وهو يعلم نتيجتها من حيث نجاة يوسف ثم تسلمه المكان الأعلى ، ومع ذلك نجد المتلقي متابعا" للأحداث و كأنه خالي الذهن من أي أثر يذكر بهذا الحل ..
فروعة المفاجآت ودقتها تأخذ
المتلقي إلى نهاية القصة بمتعة بالغة ولم يخطيء من وصفها بالأعجوبة ،فهي مغايرة للشروط القصصية التي تعتبر
وجود النتيجة في المقدمة يقضي على روعة القصة ..
إن روعة أحداث القصة تكمن في واقعيتها ، من الممكن حدوثها في أي مجتمع ، إلا أننا
نشاهد اشعاعات النبوة تنبثق في القصة عند إلقاء القميص على يعقوب و استرداد البصر.
ومكان القصة واضح فهي بين فلسطين و مصر ...
"و ما يسمى بالعقدة الفنية في القصة واضح في قصة يوسف
عليه السلام ، فهي تبدأ بالرؤيا و يظل تأويلها مجهولا" يتكشف قليل" قليلا" حتى تجيء الخاتمة فتحل العقدة
حلا" طبيعيا لا تعمل فيه و لا
اصطناع "
و من الملاحظ في هذه القصة اشتراك الفن و الاحساس ، فجاءت ثرية بالألوان والسمات ، ولأنها جمعت من عناصر القصة ما تفرق في غيرها ..
وجاء ترتيبها للأحداث في تناسق و تسلسل طبيعيين ..
فلو نظرنا إلى مشاهد القصة لوجدناها تنتقل من صورة إلى صورة حتى تأتي عليها جميعا
و قد ارتسمت في المخيلة حقيقة حية بفضل ما فيها من قيم أخلاقية عرضت بأسلوب فني مؤثر بالإضافة إلى العناية
بالتصوير الفني الذي أداه من خلال عباراته التي كونت أسلوب هذه القصة ، و هو أسلوب القرآن الكريم كله ..
نذكر منها : {{ معاذ الله ان نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده ،إنا إذا لظالمون }}
سورة يوسف ١٢/ ٧٩
و لم يقل معاذ الله ان نأخذ بريئا بجريرة سارق ، لأنه كان
يعلم أن أخاه ليس بسارق ، فعبر أدق تعبير، يحكيه السياق هنا باللغة العربية بدقة...
ودقة التعبير تظهر في مواقع
كثر كقول يعقوب{بما تصفون) حيث نجد دقةالبلاغة، فهو واثق من كذبهم ، وواثق أنهم ألحقوا بيوسف ضرا" فلم يتعين عنده نوع الضرر فأجمل التعبير عنه إجمالا" موجها"..
والرافعي[أقصد مصطفى الرافعي في وحي القلم ج١ص١٠٥ ] عندما تحدث عن امرأة العزيز و عن بلاغة القرآن الكريم ، ووقوفه عند جملة
{{ و غلقت الأبواب }} ..
قال : ولم يقل (( أغلقت ))
و هذا يشعر أنها لما يئست،
و رأت منه محاولة الانصراف ، أسرعت مهتاجة تتخيل القفل الواحد أقفالا ، و تجري من باب إلى باب ، و تضطرب يدها في الإغلاق ، و كأنها تحاول سد الأبواب لا إغلاقها فقط ..
و من الملاحظ أن الانفعالات القوية و الغرائز المؤثرة في مجرى الحوادث من الأمور التي تؤثر أثرها في كل لحظة من لحظاتنا في الحياة فالحقد
والحسد والحب أقوى العواطف و الغرائز في القصة.
بيد أن تلك الأحداث التي فيها للتربية و العواطف و الغرائز دور فعال و انعكاسات نفسية أثرت على مواقف الأشخاص..
هي ليست كالأحداث المبالغ فيها أو الأحداث المفتعلة ، أما أحداث قصة يوسف القرآنية
تمثل صراعا"حقيقيا" بين الخير و الشر ، وبين الفضيلة و الرذيلة في اختيار حر ، و ارادة متحررة ، يفسح فيها المجال للإنسان أمام أعمال يصحبها شعور بيقظة العقل ومراقبة الضمير.
الخاتمة :
في خاتمة الحديث عن قصة يوسف عليه السلام نقول:
إن قصة يوسف عليه السلام أسلوب فذ فريد في ألفاظها و تعبيرها و أدائها ، و في سردها و حوارها الممتع اللطيف ، تسري في النفس سريان الدم في العروق ، و تجري برقتها و سلاستها في القلب جريان الروح في الجسد ، وقد جاءت طرية ندية في سرد ممتع لطيف سلس رقيق يحمل جو الأنس و الرحمة والرأفة والحنان ..
الثلاثاء، 11 يوليو 2023
قصة سيدنا يوسف عليه السلام بقلم الكاتبة الأديبة د. نوال علي حمود
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .