حنين.......وعبور
كان لي قلب طفولي بريئ صغير دافئ،أرسم أحلامي بأقلام ملونة على حائط الحياة المتشقق،أقفز وأضحك وأركض هنا وهناك في طرقات الحياة المظلمة،متجاهلة كل شيئ وسعيدة بكل شيئ، ضحكاتي عالية وتصرفاتي عفوية ،كتاباتي هادئة وهمساتي قمرية،عيوني واسعة عندما تخجل وخدودي حمراء،أفكاري بيضاء وأحلامي طفولية، كنت أتلذذ بعذوبة الأيام فأعانق نسائم الخير وأرسم الفرح والمحبة في كل الأرجاء التي ألجها،حتى أجعلها مبتسمة باسمة لكل وجه يعاني كدر الشقاء،لأحس بقيمة الحياة،ياه ذكرتموني بطفولتي
فطفولتي سحر أخاذ ،ولماضي قيمة تفوق الجديد،ولزمني الجميل ذكريات لا تنسى، ذكريات تكتب بماء الذهب، لها حنين خاص،فذكرياتي كبوقة الصائغ، يسيل منها الذهب وتبقى بها الشوائب،ذكريات حفرتها داخل أعماقي، وصورحفظتها في عيوني ،وحنين حبسته داخلي،وأشواق باتت واضحة بكلماتي أسترجعها كلما حنيت لها،فعالم طفولتي هو العالم الوحيد الذي لم يفقد معناه النفسي في داخلي،هو العالم الوحيد الذي أعود إليه بقلب حار قديم،
لأحكي عنه بكل شوق وكلي شوق له، احكي عنه مرارا بكل حب وكلي حب له، ذكريات ماضي مر فيها أشخاص أصبحوا مجرد ذكرى، وأشخاص شدو الرحال إلى عالم البعد والغربة وبين الحنين والنسيان يدق ناقوس الحزن المرير دائما ببابي فأشتاق وأحن لعمري الذي مضى،هو اشتياق كتب عليه أن لا يرى الأحبة، دنيا من الوله،ودنيا من الاغتراب ودنيا تختصر ذاتها لتكون عبارة عن محطات لي، أقف فيها أنتظر عودتهم ويقفون فيها ينتظرون عودتي، لنبقى حروف سطرتها الحياة، رحلوا ولم يتركوا لي سوى بقايا ماضي....عطر هنا وصوت هناك أتمناه وصور صامتة وشوق لا يبرد،ودموع لا تجف ومنزل خال مليء بالذكريات وثياب تركتها لأشم فيها شوق الحنين.....ياه ذكرتموني بالذي مضى.
أعترف بيني وبين نفسي أنني عشت في حضن أهلي مدللة فقد ولدت في دار كنت الثانية بين إخوتي الذكور، فأنا البنت الوحيدة ،تربيت على الحياة الناعمة النعيمة،لا يرفض لها طلب، كبرت في دار لها عوائد خاصة في كل المناسبات وعشت في دار يقدرون الأنثى ويحترمونها أشد احترام، دللوني وأنا طفلة حتى كبرت بنت عنيدة، عشت اليوم بيومه بل الساعة بساعتها،لا يأخذني التفكير ولا التخطيط للغد ولا أفكر كيف سيكون وماذا سيحصل، جميلة هي،بل رائعة هي، طفولتي،صفحة بيضاء، حياة صفاء وقلب نقي وروح بريئة، طفولتي شجرة نقاء وارفة الظلال و أغصان عفوية ساذجة تحمل ثمار الشقاوة والمتعة،طفولتي ربيع زاهر،وأكاليل فل وياسمين،تتقلد جيد حياتي فتزينه،طفولتي قصة حلم،وقصيدة أمل وخاطرة عذوبة،طفولتي لوحة جميلة مزركشة رسمتها بيدي،وقصيدة رائعة نظمتها، ومقطوعة موسيقيةعزفتها،فأنا فنانة،عرفت كيف أعزف لنفسي لحن الحياة،فبكل بساطة أحببت الحياة منذ طفولتي بكل ما فيها وبادلتني نفس الشعور وأحبتني هي أيضا،فسعدت بها وسعدت بي ولو أنها لم تكن عادلة معي في بعض الأحيان،فقد كنت انا عادلة في حبي لها،فلم أكن مراوغة ساترة الأنانية بثوب المحبة ،بل كان حبا لا غبار فيه حبا صادقا سعيدا بشوق يعانقه الوصال،وصال مع صفحات عطرة من سجل حياتي،حتى اني لا اريد أن أعبث به ولا حتى أقلب صفحاته،ليس لأني هاربة من القانون مع سجل جنائي، لكني فقط لأنه سجل نظيف ،سجل عامر بالعنفوان تفوح منه رائحة المسك والعنبر،سجل ارتبط بأماكن وأشخاص ذوو أسارير طيبة حبيبة لبيبة،تطالعنا مع كل إشراقة شمس ومع كل إغفاءة ليل في السمروالصمت في الهدوء والصخب،نعم عرفت كيف أعزف لنفسي لحن الحياة منذ وانا طفلة عرفت كيف أعيش عزوفة عيوفة لا أتطلع إلى ما بيد غيري ولا أستعذب طعم الإحسان ،عرفت كيف أصون دموعي وعرفت كيف أغالب وأزاحم بمنكبي الأزمات، أفكر وأجرب وأختبر وأقارب الأمور بأشباهها ونظائرها وأستنتج نتائج الأشياء في مقدمتها،أعثر مرة وأنهض أخرى ،أخطئ حينا وأصيب أحيانا وعندما يتعب قلبي الطفولي بداخلي،يودعني ويذهب للبحث عن السعادة،وعندما يدق بابها،يقف حائرا لأنه لم يرى هناك ما
طالما توهمه،لم يرى قوة ولا مالا ولا سلطة ولا جاها،ولا حتى وفاء،ويعود أدراجه إلى مكانه بداخلي ليعيش كما تعود على المحبة الصادقة والوفاء،فقلبي أرق من ان يلام،وأحن من أن يؤذي وأصدق من أن يتزاحم مع الكره والحسد والبغض، فقلبي يحب أن تبقى الأشياء الجميلة جميلة بداخله الى الأبد،فهو رزين في العتاب وطفل في الإمتلاك.
ألبس ثوب طفولتي مرارا لأغير من روتيني القاتل المتطاول على أجمل علائم فرحتي وإشراقات أملي،فثوب طفولتي أبيض ناصع،جميل في تصميمه،،عندما ألبسه أكون بكامل أناقتي وجمالي، فهو يحمل محبة أخوية صادقة تمنيت لو لم تهجر،وتآزر جيران قل التعامل بها،وشهامة في معادن الرجال وأصالة وعفة وحشمة في قلوب النساء،كانت حياة عامرة بالعطاء والسخاء والكرم والتفاف في خدمة الصغير قبل الكبير ،صورة عشتها بكل تفاصيلها وبكل بدعها وبكل شعائرها وبكل ثقافتها وبكل تقاليدها ومناسباتها،وأنتعل حذاء الماضي وأركض في دروب ذكرياتي أناجي أصدقاء طفولتي وأتذكر فتى أحلامي وهمسات رفيقاتي ونحن نتبادل الأحلام،ياه ما أحلى تلك الأيام ويا ليت طفولتي تعود،فقد أتعبني عالم الكبار واشتقت لقلبي وهو معهم، لا يهمها سوى دميتها،لا تدع أحدا يعكر صفو حياتها ويمحي ابتسامتها .
كم تمنيت أن يكون لي جواز سفر به تأشيرة عبور دائمة ،وعمر يرجع بي للوراء لأجول وأزور كل أحبائي، أستمتع معهم بأغنية كلاسيكية تفوح منها نسمات الزمن الغابر وعبق الذكريات،وأسلم على الزمن الذي كنت لا أشكيه ولا أبكيه ولا أتألم ولا أضجر ولا أسأم بل كنت أعتقد أنه لا توجد في العالم هموما ولا آلاما،وكأن كل شيء في نظري جميل حتى الحاجة والفاقة واحتمال أعباء الحياة وأثقالها كان كل منظر من مناظرها قد لبس ثوبا قريبا من نسيج الزهر الأبيض،يا ليت الطفولة تعود يوما فأخبرها ما فعل الدهر بي ،فقد انخدعت في حلم كبرت لأجله،فهل أنا التي أعيش في عالم لا يناسبني،أم انا التي لا أناسبه..... أبكيك أيها الزمن الجميل لا لأنني تمتعت فيك براحة وسعادة لا تقدربثمن، ولا لأني ركبت مطيتك إلى لهو ولعب،ولا لأني دقت فيك السذاجة والعفوية،والبراءة والشقاوة،وعشت الحياة الهادئة الطاهرة بل لأنك كنت زمن جميل وكفى،أبكيك لأني كنت أرى في سمائك الأمل لامعا،متلألأ يؤسرني منظره ويطربني تلألأه وينفذ إلى أعماق قلبي شعاعه المتوهج الملتهب،،كنت أعيش تحت ظلال الرجاء أهبأ وأنعم ،اما اليوم وقد بدأت أنتظر من قمة الحياة إلى جانبها، احتجب عني كل شيء ولم يبقى بين يدي مما أفكر فيه إلا أن أعد عدتي لتلك الساعة الرهيبة التي أنحدر فيها إلى قبري،لكن هذا لم يمنعني ان اعيش كما اريد ،ومع من اريد وفي اي مكان اريد وضد من لا يريد فلكم حياتكم ولي حياتي .
مودتي ومحبتي وفاء العنزي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .