رهينُ النَّكَبات
ملحمة شعرية في 450 رباعية (إصداري السابع والثلاثون) تروي نكبات فلسطين من بدايتها وحتى الآن تأليف
د. أسامه مصاروه
الجزء الأوّل
1
كانَ لَنا في ذلكَ الزَّمنِ
بيْتٌ سعيدٌ دونَما مِحَنِ
كانَ مُسالِمًا وَسُكّانُهُ
يحْيَوْنَ في أمْنٍ بلا فِتَنِ
2
بيْتٌ تَقَدَّسَتْ مرابِعُهُ
حتى تَطَهَّرَتْ منابِعُهُ
بيْتٌ غدا بينَ الأَنامِ رُؤَى
لمَّا توَهَّجَتْ شَرائِعُهُ
3
بيْتٌ تَرَبَّعتْ منازِلُهُ
على ثرًى سمَتْ شَمائِلُهُ
بيْتٌ تلأْلَأَتْ نوافِذُهُ
وَفوَّحتْ مِسْكًا خمائِلُهُ
4
بيْتٌ تراءى لِيَ كالضَّيْعَةِ
بيْتٌ جميلٌ حسَنُ السُّمْعَةِ
مُشَرِّفٌ للْأَهْلِ والْعَرَبِ
لِما بِهمْ مِنْ سامِقِ الرِّفْعةِ
5
كانوا موحَّدين بحبِّهمْ
أرضًا عزيزةً على ربِّهمْ
بل وعزيزةً على قوْمِهمْ
ليسَ فقطْ على بني شعْبِهمْ
6
فَأَرْضُنا مُقدَّسٌ صَخْرُها
ترابُها هواؤها برُّها
هِيَ الصَّفاءُ والنَّقاءُ هِيَ
الْحُسْنُ الَّذي عَظَّمَهُ بَحْرُها
7
هي الْجمالُ مِثْلَهُ لنْ تَرى
عُيونُ جِنٍ أوْ عُيونُ وَرى
بورِكْتِ يا أرْضًا مُميَّزَةً
بِكُلِّ ما يَنْبُتُ فوقَ الثَّرى
8
فَكيْفَ لا يطْمَعُ فيها الْعِدى
على مَدى الأَعْصُرِ لكنْ سُدى
إذْ كانَ في أُمَّتِنا قادَةٌ
قدْ قدَّموا أرواحَهم للْفدى
9
وكُنتُ في بيْتِيَ ذا هيْبَةِ
وَأيْنَما سِرْتُ بلا رَهْبَةِ
أَمْشي وَأمْشي رافِعًا هامَتي
وقامَتي حتى وَفي غُرْبَتي
10
لمْ أَنْتَكِسْ يوْمًا بِرغْمِ الأسى
برَغمِ ظالِمٍ عليَّ قسا
ما زِلْتَ في الْقلْبِ أيا وَطَني
وها هُوَ الْمِفتاحُ حيْثُ رسا
11
وَكُنْتُ كالنِّسْرِ أُحِبُّ الذُّرى
لا عيْشَ لي في ظُلُماتِ الْوَرى
وَكلُّ ما أُنْجِزُهُ ناجِعٌ
ولمْ أَجدْ مَنْ بِاجْتِهادي ازْدَرى
12
قدْ كانَتِ الْجَنّةُ لي نُزُلا
وَلا أريدُ غيْرَها بَدَلا
فلْيَسْمَعِ الطاغوتُ مهْما طَغى
لنْ أَبْتَغي عنْ موْطِني حِوَلا
13
وكيْفَ أبْتَغي وَروحي بِهِ
ألَمْ أَعِشْ فقطْ على حُبِّهِ
هلْ يُنْكِرُ الْموْلودُ أمًا لَهُ
أوْ يبْرَأُ العاشِقُ مِنْ قلْبِهِ
14
كانَ أبي إمامَ جامِعِنا
وَمُشْرِفًا على مَجامِعِنا
كُنا جميعًا في عُرىً صلْبَةٍ
أسمى مَزايانا وَأّطْباعِنا
15
والحُبُّ قدْ كانَ يُميِّزُنا
والودُّ كمْ كانَ يُعَزِّزُنا
فلا نِفاقٌ بيْننا يُسْمَعُ
ولا إشاعاتٌ تُقَزِّزُنا
16
حتى وكُنا نجْهَلُ الْحَسَدا
وَنَمْقُتُ الْخائنَ والْمُفسِدا
في أرضِ غيْرِنا فَكيْفَ لَنا
أنْ نرْتَضي كِليْهِما سَنَدا
17
وَحْدَتُنا وَصَفُّنا واحِدُ
والْكُلُّ للرّبِ فَقطْ ساجِدُ
نعْمَلُ جاهِدينَ في أرْضِنا
ما بيْننا أوْ حوْلَنا حاقِدُ
18
ننهضُ باكِرًا لِكيْ نُمجِّدا
نركعَ للرَّحْمنِ أوْ نحْمَدا
ثُمَّ إلى أرزاقِنا نَخْرُجُ
معْ أنَّ بعْضَنا بَدا مُجْهَدا
19
وكنتُ أصْحو معْ أَبي باكِرا
وكُنتُ أبقى خلْفَهُ سائِرا
إذْ لمْ يكنْ مسجِدُنا نائيًا
ولمْ أكُنْ بِبُعْدِهِ شاعِرا
20
كانَ أبي بالفعْلِ بي يفْخَرُ
وكنْتُ دائمًا بِهِ أكْبُرُ
إذْ كانَ صالِحًا ذا نخْوَةٍ
وكانَ وفيًا ولا يَغْدُرُ
21
لمْ يعْرِفِ الزُّورَ ولا الكَذِبا
ولمْ يكنْ يكتُبُ الْخُطَبا
علّامَةً كانَ بِهِ عِفَّةٌ
حتى وَكانَ يعْشَقُ الأدَبا
22
هُوَ الَّذي بالْفِكْرِ حَبَّبَني
حتى إلى الْكُتّابِ قرَّبَني
أحْبَبتُهُ جِدًا وَلمْ أَزَلِ
أبي الَّذي بالْحُبِّ أدَّبّني
23
كانَ تقيًا مؤْمِنًا وَرِعا
للناسِ كانَ كلُّ ما جَمَعا
حياتُهُ للْخيْرِ كرَّسَها
لمْ يبْقَ إلّا ما أَبي صَنَعا
24
والناسُ طبعًا قد أحبّوا أبي
وَخاصَةً لِرَفْضِهِ الأجْنَبي
هذا الذي غدْرًا إليْنا أَتى
مِثْلَ غِراءٍ لَزِجٍ لَزِبِ
25
في يوْمِ جُمْعةٍ وَفي الْمسْجِدِ
كانَ أبي بصوْتِهِ الُمُرْعِدِ
يرْفُضُ مَنْعَ الناسِ مِنْ سَفَرٍ
لِأَيِّ أمْرٍ خارِجَ الْبَلَدِ
26
قامَ أبي بِشَتْمِ قادَتِهِمْ
ولمْ يَخَفْ مِنْ شَتْمِ سادَتِهِمْ
بعْدَ أَنِ انْتَهى خِطابُ أبي
قاموا بِسَجْنِهِ كَعادَتِهِمْ
27
وبَعْدَ أنْ أُفْرِجَ عنْ والِدي
عادَ بِنفْسِ الْموْقِفِ الصّامِدِ
رُغْمَ مُحاولاتِ إذْلالِهِ
لِلْحَدِّ مِنْ مَقامِهِ الرَّائِدِ
28
حقًا أنا الآنَ أحِسُّ بِهِ
بعْدَ رُجوعِهِ إلى ربِّهِ
معْ أنَّني لمْ أنْسَهُ مُطْلَقًا
أنا بِحاجَةٍ إلى حُبِّهِ
29
كانتْ بِلادُ الْعُرْبِ في صحْوَةِ
من بعدِ نومٍ رُبّما غَفْوةِ
لمْ يَعُدِ الْمُحتلُّ يُرْهِبُنا
بما لهُ من باطلِ السَّطْوَةِ
30
بِصدْرِنا العاري نُقابِلُهمْ
بصَخْرِ أرضِنا نقاتِلُهمْ
رصاصُهمْ ما كانَ يُرْهِبُنا
بِوَحْدَةٍ كُنّا ننازِلُهمْ