حين سكن الفراغ
أ.د. زياد دبور*
قديماً، كانوا يبنونَ من طينِ الأرضِ
بيوتاً تتنفسُ مع الفصول،
تؤرّخُ دفءَ اللحظاتِ في شقوقها،
وتحفظُ في مساماتها
رائحةَ القهوةِ وضحكاتِ الأطفال.
كانت الجدرانُ تُنصِتُ للأسرار،
تتشرَّبُ دموعَ المواجعِ وخُطى العائدين،
والسقفُ يقرأُ في الليلِ تعاويذَ النوم،
ويخبئُ في عتمتهِ
نجوماً لا يراها سوى الحالمين.
لم يكنِ الطينُ سوى ترابٍ عرفَ معنى الصبر،
أن تبلّلهُ آلامُ السماءِ مرةً،
وتحرقهُ الشمسُ مراتٍ،
حتى يصيرَ حكمةَ الأجدادِ المنسية،
والمأوى الأولَ لقلوبٍ تخشى البرد.
سألتُ جدّي ذات مساءٍ: لماذا الطين؟
قال: لأنهُ يعلّمُنا الصبرَ،
لا يضيءُ كالذهبِ فنُعمى،
ولا يقسو كالحديدِ فنقسو،
إنما يتشقَّقُ كما تتشقَّقُ أرواحُنا
ثم يلتئمُ من جديدٍ
بقليلٍ من الماءِ وكثيرٍ من الحب.
ثم جاءَ ذهبُ القرنِ العشرين،
يلمعُ بوعودٍ خاويةٍ كأجوافِ السراب،
انهارت القرى العتيقةُ تحت سطوته،
وشُيِّدت كعبرةٍ للهوَس
قصورٌ شاهقةٌ تتلألأُ وحدتُها في الليل.
وفي مخاضِ التحوُّل،
سقطت من ذاكرةِ المدنِ أسماءُ الجيران،
وتلاشت من عيونِ البُناةِ
مواضعُ النوافذِ التي تتبادلُ التحيات،
وأماكنُ المواقدِ التي يلتفُّ حولها
ظلالُ الحكواتي والصغار.
كسرتُ جدارَ بيتِنا القديم يوماً،
فوجدتُ داخلهُ بقايا أصواتٍ،
وأثرَ أصابعَ كتبت بالطينِ
نُذورَ البقاءِ والعودة،
وأدركتُ أن الجدارَ لم يكن جداراً فقط،
بل كان صندوقَ ذكرياتٍ
لا يفتحهُ سوى مَن خَبِرَ الانتماء.
الآن، يتوسّعُ الفراغُ في البيوتِ الجديدة،
كبحرٍ آمنٍ بلا أمواج،
يتمدَّدُ بين الزوايا المصقولة،
تُصارعهُ شاشاتُ التلفازِ بالضوضاء،
فيبتلعها كما تبتلعُ المقبرةُ الضوء.
يمشي ساكنُ القصرِ في أروقتهِ
كغريبٍ يتحسَّسُ طريقَهُ في متحفٍ مُضاءٍ،
والصدى يتبعهُ كظلٍّ خائفٍ:
هل نسيتَ الطريقَ إلى القلب؟
أم أنكَ هجرتَهُ… يوم هجرتَ الطين؟
*. © زياد دبور ٢٠٢٥
جميع الحقوق محفوظة للشاعر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .