الخميس، 29 مايو 2025

صابرة بقلم الراقية كريمة احمد الاخضري

 قصة قصيرة بعنوان :

                 ✨ صابرة✨

______

رأته يرحل من بعيد، فنادت ظلَّه، ذلك الباقي من ملامحه، عساه يرجع من جديد...

لم تكن خطواته واضحة لديها، لكن الغياب كان جليًّا.


كانت ترجوه بصوتٍ مكسور، تسبقه دمعة حزينة ، لم تحتمل لوعة فراقه.

كلُّ شيءٍ حولها كان يهمس باسمه؛ حتى الصمت... حتى الفراغ.

ولم يكن لها سوى قلبها، يكرّر النداء... بصبرٍ أنهكه الانتظار.


ربما لن يعود... وربما، مع الأيام، يدغدغه الحنين إليها، فيرجع.

وإلى أن يحدث أحد الأمرين، ستبقى تدعو... وتدعو...


مرّت السنون بطيئة بثقلها، وانغمست في تربية ولديها المُعاقَين.

لم تُقصّر يومًا في واجبٍ أو حنان.

أتقنت الصبر، كما أتقنت كلَّ صغيرة وكبيرة: دواءٌ في وقته، وبشاشة في وجهيهما،

و رغم الوجع منحتهما دفئا وحبّا لا تشوبه غصّةُ غيابه.


جاهدت بكل ما تملك، وبكل ما تقدر، كي يعيشا حياةً طبيعية قدر المستطاع،

فهي تدرك جيدًا أنهما لن يعيشا طويلًا، كما أخبرها طبيبهما.

ولم يكن ذلك أمرًا هيِّنًا عليها، لكن دعم عائلتها سهّل عليها كثيرًا من الأمور.


لم تكن تخرج إلا نادرًا، وكأن العالم خارج جدران بيتها لا يعنيها.

كانت كل لحظة تمرّ، تشدّها إليهما أكثر.

وفي خضمِّ زخمِ انشغالاتها بهما في النهار، كادت تنسى ملامح زوجها سيف شيئًا فشيئًا...


لكن في الليل، حين يعمّ الهدوء، يتسلّل خياله القديم إلى ذاكرتها،

كأن قلبها لا يريد أن يمحو آخر صورة له من جوفه.

فتنام على ذكراه، والدمع يفترش خدّها.


وكان أكثر ما يحزّ في نفسها، هو تخلّيه عنها في وقتٍ كان أوْلى الناس بدعمها.

لكن أنانيته، وعدم تقبّله لولديه المعاقين، جعله ينفر منهما ويرحل دون رجعة.


بعد مرور خمس سنوات، اقتنعت صابرة أنه لن يعود، فقامت بتطليق نفسها منه.

مرّت الأيام والسنون، وتأزمت حالة الولدين، وحلّت اللحظة التي كانت تخشاها.

فمات ولدها أنور أولًا، وهو في سن الثامنة، والتحقت به أخته هبة بعد تسعة أشهر، ولم تتجاوز السادسة من عمرها.


بلغت صابرة أهل زوجها بوفاة طفليها، لكن لم يحضر أحد منهم للعزاء.

ولم تكترث لذلك، فغياب أبيهما كان أكثر وقعًا على نفسها.


انتهت مراسيم العزاء، وعادت صابرة رويدًا رويدًا إلى حياتها الطبيعية،

رغم أن طيف صغيريها لم يبتعد عن خيالها أبدًا.

ورغم حزنها الدفين لفراقهما، كانت تشعر في داخلها بالرضا، فقد أدّت رسالتها كأم على أكمل وجه.


وأصبح الجميع يثني عليها وعلى تضحيتها النبيلة من أجل ولديها.


وفي أحد الأيام، تقدم لخطبتها أحد أصدقاء أخيها، وكان أرملًا بولدين.

وبعد تردّدٍ لم يدم طويلًا، وافقت صابرة وتزوجت به.


عاشت صابرة مع زوجها الجديد سعادة لم تكن تتوقعها أبدًا.

فقد كان زوجًا طيبًا حنونًا، يلتزم بواجباته نحوها ونحو ولديه، الذين أحبتهما صابرة حبًا عظيمًا،

وكانت تشعر بأن الله تعالى قد عوّضها بهما عن طفليها.


ولأن كرم الله لا ينضب، أنجبت صابرة بعد عامٍ من زواجها طفلةً جميلةً ومعافاة،

فاكتملت فرحتها، وعاشت في سعادة كبيرة مع عائلتها الجديدة.


وفي أحد الأيام، خرجت صابرة مع زوجها وأطفالها في نزهةٍ عائلية.

وبينما كانت تلعب مع أطفالها، رأت من بعيد وجهًا كأنها تعرفه...

نعم، لقد كان هو... زوجها السابق سيف.


وقفت صابرة تنظر إليه، وهي مصدومة، فقد كان يجرّ عربة طفلٍ معاق، وبجانبه زوجته...


سرعان ما انتبهت صابرة لنفسها، وتنهدت تنهيدةً طويلة، أعقبتها بقولها:

"الحمد لله... الحمد لله....لله في أمره شؤون."

_________

24/05/2025

شفہٰاء الہٰروحہٰ  

الجزائر 🇩🇿

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .