مرثية الروح للطفولة المسلوبة
بقلمي: بهاء الشريف
التاريخ: 9 / 4 / 2026
لَيْسَ فِي الحُزْنِ مَا يَكْفِي لِوَصْفِ هذَا الأَلَمِ…
فَهُنَا تُكْسَرُ المَعَانِي قَبْلَ القُلُوبِ،
وَتَصْمُتُ اللُّغَةُ خَجَلًا أَمامَ مَشْهَدٍ
تُذْبَحُ فِيهِ البَرَاءَةُ بِلَا ذَنْبٍ.
أَيُّ ذَنْبٍ اقْتَرَفَتْهُ الطُّفُولَةُ
لِتُحَاصَرَ بَيْنَ نَارٍ وَخَوْفٍ؟
وَأَيُّ زَمَنٍ هذَا
الَّذِي صَارَ فِيهِ البُكَاءُ لُغَةَ الصِّغَارِ؟
هُمْ لَمْ يَطْلُبُوا سِوَى حَيَاةٍ عَادِيَّةٍ،
ضَحْكَةٍ، لُعْبَةٍ، حَضْنٍ دَافِئٍ…
لَكِنَّ العَالَمَ كَانَ أَقْسَى
مِنْ أَنْ يُمْنَحَهُمْ حَتَّى ذلِكَ القَلِيلِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْهُمْ فِي جَنَّاتِكَ آمِنِينَ،
وَارْبِطْ عَلَى قُلُوبٍ أَنْهَكَهَا الفَقْدُ،
وَاكْتُبْ لِهذِهِ الأَرْضِ يَوْمًا
تَسْتَحْيِي فِيهِ مِنْ كُلِّ هذَا الوَجَعِ…
وَيُعَادُ فِيهِ لِلْإِنْسَانِ شَيْءٌ مِنْ إِنْسَانِيَّتِهِ.
وَمَا عَادَ السُّؤَالُ: أَيُّ عَالَمٍ هذَا…
بَلْ: أَيُّ قَلْبٍ بَقِيَ فِي هذَا العَالَمِ؟
حِينَ تُدْفَنُ الضَّحْكَةُ تَحْتَ الرُّكَامِ،
وَيُخْتَصَرُ العُمْرُ فِي صَرْخَةٍ،
نُدْرِكُ أَنَّ الفَقْدَ لَمْ يَعُدْ حَادِثًا…
بَلْ صَارَ مَلَامِحَ زَمَنٍ.
هَؤُلَاءِ الصِّغَارُ…
لَمْ يَمُوتُوا فَقَطْ،
بَلْ أَخَذُوا مَعَهُم جُزْءًا مِنْ إِنْسَانِيَّتِنَا،
وَتَرَكُوا لَنَا مِرْآةً قَاسِيَةً
نَرَى فِيهَا عَجْزَنَا… وَصَمْتَنَا.
يَا رَبَّ…
إِن ضَاقَتْ بِهِمُ الأَرْضُ،
فَوَسِعُ رَحْمَتِكَ لَا يَضِيقُ،
وَإِن حُرِمُوا الأَمَانَ هُنَا،
فَاجْعَلْ لَهُمْ فِي جِنَانِكَ وَطَنًا لَا يُقْصَفُ،
وَلَا يُخَافُ فِيهِ، وَلَا يُفْقَدُ فِيهِ أَحَدٌ.
اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نَمْلِكُ إِلَّا الدُّعَاءَ،
فَاجْعَلْهُ يَصِلُ إِلَيْهِم دِفْئًا،
وَإِلَى قُلُوبِنَا يَقَظَةً…
لَعَلَّنَا نَسْتَعِيدُ مَا تَبَقَّى
مِن مَعْنَى أَن نَكُونَ بَشَرًا.
وَسَيَبْقَى السُّؤَالُ مُعَلَّقًا فِي حَنَاجِرِنَا،
لَا نَمْلِكُ لَهُ جَوَابًا… وَلَا نَجْرُؤُ عَلَى نِسْيَانِهِ.
سَيَكْبُرُ هذَا الصَّمْتُ فِينَا،
حَتَّى يَصِيرَ إِدَانَةً،
وَتَكْبُرُ الذِّكْرَى
حَتَّى تُثَقِّلَ ضَمِيرَ العَالَمِ كُلِّهِ.
هَؤُلَاءِ الَّذِينَ رَحَلُوا صِغَارًا…
لَمْ يَتْرُكُوا خَلْفَهُمْ حُزْنًا فَقَطْ،
بَلْ تَرَكُوا وَصِيَّةً خَفِيَّةً:
أَنْ لَا نَعْتَادَ هذَا الأَلَمَ،
وَأَنْ لَا نُطْبِعَ القَسْوَةَ فِي قُلُوبِنَا.
فَإِن كَانَ المَوْتُ قَدْ سَرَقَ أَصْوَاتَهُمْ،
فَلَا تَجْعَلُوا الصَّمْتَ يَسْرِقُ أَصْوَاتَكُمْ.
وَإِن كَانَتِ البَرَاءَةُ قَد ذُبِحَتْ،
فَلَا تَتْرُكُوا الإِنْسَانِيَّةَ تُدْفَنُ مَعَهَا.
اللَّهُمَّ اشْهَدْ…
أَنَّ قُلُوبًا هُنَا انْكَسَرَتْ لَهُمْ،
وَأَنَّ الدُّعَاءَ مَا زَالَ يَمْشِي إِلَيْهِم
خَفِيفًا كَالنُّورِ…
صَادِقًا كَالدَّمْعِ.
وَمَعَ كُلِّ هذَا الأَلَمِ…
يَبْقَى فِينَا نُورٌ صَغِيرٌ،
صَوْتٌ حَيٌّ لِلْبَرَاءَةِ،
هَمْسٌ مِنْ وِجْدَانِنَا بِأَنَّ الإِنْسَانِيَّةَ لَمْ تَمُتْ بَعْدُ.
فَلْنَحْمِل ذِكْرَاهُمْ فِي أَفْعَالِنَا،
وَلْنَتْرُك رَحْمَةً فِي كُلِّ قَلْبٍ،
لَعَلَّ دُعَاءَنَا يُصْبِحُ حَقِيقَةً،
وَيَشْرُقُ السَّلَامُ فِي أَرْضٍ طَالَمَا عَطِشَتْ لِلرَّحْمَةِ.