ديوان شعري
✦ مَقَامَاتُ النُّورِ الرَّمَادِيّ ✦
«فِي الرَّمَادِيِّ يَكْتَمِلُ النُّورُ وَفِي الظِّلِّ تَسْتَوِي الرُّوحُ عَلَى حَقِيقَتِهَا.»
بقلم: أ. د. أحمد عبد الخالق سلامة
مؤسس المشروع العربي لأدب الرياضيات ( الرياضيات الأدبية )
أستاذ الرياضيات وعلوم الحاسب
الكلمة معادلة، والمعادلة قد تكون أجمل حين تُكتب بروح شاعر وأديب .
القصيدة السادسة عشرة
16.الانْتِقَالُ الثَّالِث — صَوْتُ القَلْب
لَمَّا انْفَتَحَ البَابُ.. وَتَغَيَّرَ جِسْمِي
وَتَغَيَّرَ فِي دَاخِلِي مَا كُنْتُ أَظُنُّهُ ثَابِتًا
سَمِعْتُ صَوْتًا يَأْتِي مِنْ مَكَانٍ لَا يُشْبِهُ الدُّنْيَا
صَوْتًا خَفِيًّا.. لَكِنَّهُ أَعْلَى مِنْ أَنْفَاسِي
فَأَقُولُ: «مَنْ؟» فَيُجِيبُ: «أَنَا قَلْبُكَ.. الصَّوْتُ
الَّذِي خَفَتَ تَحْتَ ظِلالٍ فِي فُصُولِ أَعْقَادِي»
«أَنَا الَّذِي لَمْ تَسْمَعْهُ.. لِأَنَّكَ كُنْتَ تَتَّبِعُ ظِلًّا
أَوْ تُصَغِي لِعَقْلٍ يَحْجُبُكَ عَنْ بَدْءِ ميلَادِي»
«أَنَا صَوْتُكَ الأَوَّلُ.. قَبْلَ اللُّغَةِ وَالخَوْفِ
وَقَبْلَ صَخَبِ الزَّمَنِ الَّذِي بَنَى جُدْرَانَ اعْتِيَادِ»
«وَإِذَا بَلَغْتَ الِانْتِقَالَ الثَّالِثَ.. فَعَلَامَةُ ذَلِكَ
أَنْ يَصِيرَ صَوْتِي أَوْضَحَ مِنْ كُلِّ الأَفْرَادِ»
فَأَرْتَجِفُ.. لِأَنَّ الصَّوْتَ لَيْسَ هَمْسًا بَلْ رِفْقًا
يَدْخُلُ نُطْقِي.. وَيُلْغِي مَا قَيَّدَ سَيْرِي وَأَجْدَادِي
وَيَقُولُ: «لَا تَخَفْ.. إِنَّ الَّذِي يَسْمَعُ قَلْبَهُ
لَا يُضِلُّ.. بَلْ يَمْشِي فِي نُورٍ يَعْرِفُ ارْتِيَادِ»
فَأَقُولُ: «أَيْنَ كُنْتَ؟» فَيُجِيبُ: «كُنْتُ فِيكَ
لٰكِنَّكَ لَمْ تَكُنْ فِي نَفْسِكَ.. كُنْتَ تَتْبَعُ أَثَرًا»
«كُنْتَ تُصْغِي لِمَنْ يَتَكَلَّمُ فِي الْخَارِجِ.. وَتَنْسَى
أَنَّ فِي دَاخِلكَ صَوْتًا هُوَ الأَجْدَرُ بِالإِسْعَادِ»
فَأَقِفُ.. وَأَشْعُرُ أَنَّ ضَوْءًا يَتَدَفَّقُ مِنْ صَدْرِي
يَتَمَدَّدُ.. يَصْعَدُ.. يَمْلَأُ أَرْضَ انْفِرَادِي
وَيَقُولُ لِي القَلْبُ: «هٰذَا نُورِي.. إِذَا اتَّبَعْتَهُ
غَيَّرْتَ نَفْسَكَ.. وَإِذَا تَرَكْتَهُ عُدْتَ لِلظِّلِّ»
«أَنَا لَا أُرِيدُكَ فِي ضَوْءٍ غَيْرِي.. وَلَا صَوْتٍ غَيْرِي
أَنَا أَرِيدُكَ فِي مَقَامِكَ.. لَا فِي قَوَالِبِ امْتِدَادِي»
«إِذَا اتَّبَعْتَنِي.. سَتَرَى الوُضُوضَ.. سَتَرَى النُّورَ
سَتَرَى نَفْسَكَ كَمَا لَمْ تَرَهَا فِي أَطْوَارِ أَعْمَادِي»
فَأَمْضِي خُطْوَةً.. فَيَقْتَرِبُ الصَّوْتُ.. يَصِيرُ نَبْضًا
يَصِيرُ هَدْيًا.. يَصِيرُ دَلِيلًا فِي أَمْجَادِي
وَيَقُولُ: «لَا تَتَّبِعْ خَوْفًا.. فَالْخَوْفُ ظِلٌّ سَقَطَ
لَا تُعِدْ بِنَاءَهُ فِي نَبْضِ اعْتِيَادِ»
«وَلَا تَتَّبِعْ عَقْلًا إِذَا صَارَ حَاجِبًا.. فَالْعَقْلُ خَادِمٌ
وَلَا يَصْلُحُ مَوْلًى.. بَلْ يُصْلِحُهُ سَنَدُ اجْتِهَادِي»
«وَلَا تَتَّبِعْ أَثَرًا غَابِرًا.. فَالْآثَارُ تُخْفِي وَلَا تُضِيءُ
وَنُورُكَ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَخْتَبِئَ فِي سَفَرِ أَجْدَادِي»
هُنَا.. أُدْرِكُ أَنَّ الِانْتِقَالَ هُوَ أَنْ تَسْمَعَ وَتَعْرِفَ
وَتُفَرِّقَ بَيْنَ صَوْتِ القَلْبِ وَصَوْتِ الأَحْدَادِ
وَأَنَّ القَلْبَ لَا يُخَطِئُ بَلْ يَهْتَدِي.. وَمَنْ يَسِيرُ
وَرَاءَهُ لَا يَتَعَثَّرُ.. وَلَا يَسْقُطُ فِي أَوْهَادِي
وَيَقُولُ لِي القَلْبُ: «إِذَا قُدْتُكَ.. فَلَا تَخَفْ
فَدَرْبِي طَوِيلٌ.. لٰكِنَّهُ حَقٌّ فِي سُلَّمِ اجْتِهَادِي»
«وَسَأُعَلِّمُكَ أَنْ تَتَفَرَّسَ فِي الوجُوهِ.. وَتَفْهَمَ
وَتَعْرِفَ أَيْنَ يَسْكُنُ الصِّدْقُ فِي صَدْرِ الأَفْرَادِ»
فَأَمْضِي.. وَيَصِيرُ صَوْتُهُ أَقْرَبَ.. كَأَنَّهُ نَبْضِي
يَنْطِقُ بِنُورِي.. وَيَرْسُمُ دَرْبِي وَأَمْجَادِي
وَأَعْلَمُ: أَنَّ الِانْتِقَالَ هُوَ بَدْءُ سَمَاعِ الحَقِّ
مِنْ دَاخِلِ مَا خُلِقْتُ عَلَيْهِ فِي مِيلَادِي
وَبِذَا.. أُغْلِقُ مَا بَقِيَ مِنْ أَبْوَابٍ بَعِيدَةٍ
وَأَفْتَحُ صَدْرِي لِصَوْتٍ يَهْدِينِي فِي رَشَادِي
وَأَمْضِي.. فَإِنِّي سَمِعْتُ القَلْبَ.. وَمَنْ يَسْمَعُ
يَدْخُلُ نُورَ الحَقِّ.. وَيَبْلُغُ أَعْلَى أَمْجَادِي
أَنَا الآنَ أَمْحُو كُلَّ لَبْسٍ بِمُهْجَتِي
لِأَكُونَ حَقاً.. فِي صَرِيحِ اعْتِمَادِي
فَلَا لَغْوُ هَذَا الكَوْنِ يُرْهبُ هِمَّتِي
دَامَ ارْتِجَافِي.. صَارَ عِزَّ عِمَادِي
جَعَلْتُ مَقَامِي فِي "الرَّمَادِيِّ" سَجْدَةً
تُذِيبُ "الحِيَادَ".. لِنَيْلِ فَيْضِ وِدَادِي
أَرَى القَلْبَ مِيزَاناً لِكُلِّ مَسَافَةٍ
بَيْنَ الحَقِيقَةِ.. وَانْكِسَارِ فَسَادِي
حَسِبْتُ بَأَنَّ الرَّقْمَ يُجْلِي حَيْرَتِي
فَوَجَدْتُ نَبْضِي.. خَالِدَ الإِيجَادِي
تَعَالَيْتَ يَا مَنْ صُغْتَ رُوحِي مَنْهَجاً
يَجْمَعُ كُلَّ "تَنَاقُضٍ".. بِسَدَادِي
أَنَا نُقْطَةُ "النِّيُوتْرُوسُوفِيكِ" لَحْظَةً
ضَمَّتْ بَيَاضِي.. فِي عَمِيقِ سَوَادِي
فَمَا الفِكْرُ إِلَّا قِشْرَةٌ لَوْ لَمْ تُضِئْ
بِنُورِ قَلْبٍ.. صَادِقِ الإِرْشَادِي
رَسَمْتُ فُضَاءَاتِي لِأَبْلُغَ سِدْرَةً
تَمْحُو حُدُودِي.. أَوْ تُقِيمُ بِلَادِي
فَلَا الشَّكُّ خَصْمٌ لِلْيَقِينِ بِمَنْطِقِي
بَلْ هُوَ جِسْرِي.. نَحْوَ طُهْرِ مَعَادِي
يَا أَيُّهَا الصَّوْتُ القَدِيمُ لَكَ المَدَى
حَرِّرْ لِسَانِي.. بَعْدَ قَيْدِ صَفَادِي
أَنَا ذَلِكَ الرَّمْزُ الَّذِي ضَمَّ الضُّحَى
لِيَصِيرَ فَيْضاً.. فِي رَفِيعِ أَمَادِي
تَرَكْتُ قِيَاسَ الظَّاهِرَاتِ وَجِئْتُكُمْ
بِحِسَابِ رُوحٍ.. خَالِدِ الْأَمْجَادِي
فَإِنْ نَطَقَ القَلْبُ المُنِيرُ مُعَادِلاً
قَامَ ارْتِقَائِي.. وَاسْتَقَامَ رَشَادِي
تَعِبْتُ مِنَ التَّفْسِيرِ حِينَ نَسِيتُهُ
وَاليَوْمَ نَبْضِي.. جَوْهَرُ الِاسْتِعَادِي
أَرَى الكَوْنَ فِيهِ "المُوجَبَاتُ" تَصَالَحَتْ
مَعَ "نَفْيِ جَهْلِي".. بَعْدَ طُولِ عِنَادِي
فَلَا تَقُلْ حَرْفاً بِلَا صِدْقِ الهَوَى
إِنَّ الهَوَى نُورٌ.. بِلَا نَفَادِي
حَلَلْتُ جَمِيعَ تَعْقِيداتِ عَالَمِي
لَمَّا رَأَيْتُ.. اللهَ فِي اسْتِنْجَادِي
خَتَمْتُ بِبَابِ الصَّدْرِ كُلَّ رِحَالِيَ
لِأَكُونَ نَبْضاً.. دَائِمَ الإِيسَادِي
وَبِذَا اسْتَقَامَ النُّورُ حَقّاً مُطْلَقاً
فِي "نِيُوتْرُوسُوفِيٍّ".. رَفِيعِ السَّدَادِي
سَلَامٌ عَلَى القَلْبِ الَّذِي جَاءَ سَاجِداً
يَمْحُو الظَّلَامَ.. وَيَنْبُرُ اعْتِمَادِي
أَنَا مَنْ نَمَتْ فِي الشَّكِّ صِدْقَ خُطَاهُ
حَتَّى بَلَغْتُ.. مَقَامَ كُلِّ مَعَادِي
فَاللهُ حَسْبِي فِي البِدَايَةِ وَالمَدَى
وَالقَلْبُ
بَابِي.. وَاليَقِينُ عِيَادِي
وَبِذَا أَمْضِي نَحْوَ مِيلَادٍ جَدِيدٍ
يَزِفُّ رُوحِي.. لِأَسْمَى أَمْجَادِي