#غزة: مرثية شتاء
حين تَهُمُّ سحب الشتاء على غزة، لا تهبط ببركة الغيث المُنتَظَر، بل تَنْقَضُّ كمحنة جديدة، تتراكم على جبال الصبر المُنهَكة. إنها ليست قطرات ماء؛ بل هي سيوف باردة تَخْتَبِرُ صلابة القلوب المُثخَنة بالحصار.
في هذا الرُّكنِ الجريح من الأرض، يَتَحَوَّلُ المطر، الذي كان يوماً لحناً للحياة، إلى زائر ثقيل الوطأة؛ يَنْسَلُّ كاللص إلى أعماق الخيام المُرتَجِفَة، يُبَلِّلُ أغطية لا تستر عظاماً، ويَجْتاحُ فضاءات البيوت التي صارت أشباحاً، لا يَبقَى منها إلا عُري الجدران وشاهد على حنين مُجَهَّض.
في غياهب الليل، تَغْرَقُ السواتر القماشية، ويَسْتَيْقِظُ الأطفال على وَجْبة من القلق البارد، صوت الماء يَجْلِدُ مسامعهم. ليس في أيديهم مظلات، بل أثقالٌ من الخوف أكبر من أعمارهم الصغيرة. يَتَسَرَّبُ البرد كالصَّقِيع إلى الأضلع، يُنَشِّرُها نَشْراً؛ فلا نار تُدْفِئُ الروح، ولا ضوء يَشُقُّ عتمة هذا الامتداد اليائس.
على أرصفة غزة، تَتَحَوَّلُ الطرق إلى أَوْدِيَةٍ من طين ووَحْل، تَبْتَلِعُ خُطَى المُضْطَرِّين. لقد صارت شرايين المدينة المُدَمَّاة عاجزة عن حمل قطرة ماء، أو حماية صرخة طفل يَلُوذُ بظل مفقود.
والوَقُودُ، ذلك الدَّمُ الذي يُشْعِلُ الحياة، غائبٌ كأنه أدار ظهره في أشد لحظات الحاجة. مواقد باردة، أجساد مركبات صامتة، ومستشفيات تُصارع الوباء والبرد معاً، وكأنها تَقْبِضُ على خيط رفيع بين البقاء والفناء.
لكن، وفي خِضَمِّ هذه المَلْحَمَة…
تَمْضِي غزة.
تَشُدُّ خَصْرَها بفتيل صمودها الأبدي. تَتَجَذَّرُ في الحياة كشجرة زيتون لا تَخْشَى الريح. تَضُمُّ صِغَارَهَا، تُرَقِّعُ فضاءاتها، وتُنِيرُ بصيصاً خافتاً من رماد مَوَّار، لِتُطْلِقَ نِدَاءَهَا الأخير للعالم:
"فينا نَبْضٌ لا يَرْضَى بالخمود، وإِرَادَةٌ تُزْهِرُ في قلب الهاوية."
فالشتاء، مهما أَرْعَدَ وأَبْرَقَ، لن يطال الدِفْءَ المقدس لقلوب اعتادت أن تَبْعَثَ ميلادها من تحت الركام، وأن تُضِيءَ ليلها بِبَارِقِ العزم المُتَّقِد.
#بقلم
ناصر إبراهيم