«لمن أنتمي؟»
هذه القصيدة رحلة تأملية في سؤال الانتماء والهوية، حيث يلتقي الإنسان بالغربة والذكريات والأمل المفقود. تحاكي الصور الرمزية — من المخيم والعدس والحبل إلى البحر والشرنقة والثقب الأسود — الصراع المستمر بين البقاء والرحيل، بين الحنين إلى الجذور والخوف من المستقبل.
إنها نصّ يبحث في النفس الإنسانية كما يبحث عن وطنه، وفي الوقت ذاته نقدٌ للحياة الاجتماعية والسياسية، مرّة أحيانًا وساخرة أحيانًا أخرى، لتكشف عن هشاشة الزمن وقوة الذاكرة.
سؤال «لمن أنتمي؟» لا يفارقنا أبدًا، ولم يعد محصورًا بل شاملًا:
ضاع الباب وبقي المفتاح،
ضاعت النافذة وبقي غناء العصافير يصدح في الذاكرة.
نبتعد لكي نعود، ونعود لنبقى،
فما المهاجر إلا صفةٌ أخرى تُوازي اللوعة.
⸻
لمن أنتمي؟
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 23.07.2024| نُقّحت 24.08.2025
كان الصبرُ رايةً ترفرفُ فوقَ الوحلِ في طرقات المخيم،
والشريدُ وشمًا مريرًا على النفس،
وعلى الوجوهِ الهاربة،
كما تهربُ الأسماكُ خوفًا من نارٍ تحرقُ الشفاه.
الكلُّ يمسكُ بوجود الآخرين،
ربُّ غيمٍ سبّاحٍ خطفَ واحدًا منّا،
وأغرقَ المخيّمَ بحديثِ السحاب.
الضحكُ ميزةٌ تفردت بها القططُ السائبة،
وهي تترقب خروج فئران جوعى،
والجيرانُ لهم عينٌ واحدةٌ وفمٌ واحد،
وأقدامٌ تتيهُ في دورانِ الخطوات.
لأوّلِ مرّةٍ تصطفُّ الاتّجاهاتُ في نقطةٍ واحدة،
ويتكوّرُ الظلُّ على الألوان.
متفقون جميعًا في نقطة القهر،
نهربُ كما تهربُ الأمنيات إذا لم نجد من يحتضنها باليقين.
سقطت عقاربُ الساعات،
وتوقّف الوقتُ عند العودة،
وساعتهُ على كلِّ لسان،
والوقتُ هو المصيرُ الغائب،
حتى فرّت القلوبُ غارقةً في المتاهات.
هربت العودةُ في حلكةِ الليل، والناسُ مشدوهون،
وتلوّنَ وعدُها برمادِ القسوة،
حتى صارت الأيادي مثلَ ثلجٍ يثقبُ الأكفان
كلُّ شيءٍ في نظراتهم صار جمادًا،
إلا التطلّعَ نحو الأمل…
ذلك النبعُ السخيفُ والخجولُ من فرطِ العثرات.
وإن أتى شيءٌ، فليأتِ منهكًا… كي نفهمه.
لكن لم يأتِ شيء،
ولن يأتي ما قُيِّدَ ووُضع على رفوف النسيان.
يا بركانَ الذكريات، الحممُ تكوينا،
والألمُ فرَّ إلى الأعماق.
غادروا، وما تركوا سوى نحن… في الانتظار.
لا أحدَ منّا يعلّقُ شيئًا على حبلٍ ملوٍ،
طرفاه أبعدُ من أن تطالهما الأفكار.
رأيتُ شعارًا مرفوعًا على العتبات:
“توقّف، فكلُّ شيءٍ توقّف.”
حبلُ الغسيلِ لا يحملُ غسيلَنا،
علّقناهُ لنرى كيف تعلّقُ السنين،
وكلماتُ الخيانات،
ومتى يحلُّ الجفافُ المطلق.
لو كنتُ قويًا، لما شُرّدتُ،
والأقوياءُ علموا ضعفي،
صعدوا الجبالَ،
وتركوني منسيًا في جُحرِ المخيّم.
تلفُّنا الدهشةُ من هولِ التشرد،
دهشةٌ مزمنةٌ كوحشةٍ تسكنُ الروح.
وطفولةٌ مضتْ كأنها مرّت عبر السنين،
دونَ شباكٍ، دونَ بابٍ، دونَ فضاءاتٍ تمنحُ الحلمَ مداه.
يا حبلَ العودة، نمسكُ بكَ…
فابْقَ مشدودًا إلى البيدرِ وجذوع الزيتون.
أملنا أن نملك القوة لرؤيتك.
متلهفينَ نسقطُ من الأرضِ على الأرض،
وبهجتُنا أن نزحفَ خوفًا من السقوط،
ما أبشعَ السقوطَ من فوق الأمل.
كلُّ يومٍ كان اسمُهُ جرسًا،
وساعاتُه تتشابه كحبِّ العدسِ في وعاءِ الفقر.
نخبزُ العدسَ لنأكله مع حسائِه،
فالخبزُ طعمٌ أوفى من أيِّ وفاء.
الكلُّ يلفظُ أنفاسًا محروقةً،
كعنوانِ المشرد،
كشرنقةِ الفراشات…
مجهولٌ حتى تتفتّق المصائد،
ويخرجَ جناحٌ يتلوّى من فواتِ الأوان،
في لمسِ الأفق، كريهٌ يثقل القلب ولا يتمدد فوق وسادتنا.
كلُّ شيءٍ كان مدروسًا،
إلا بيتَ العنكبوت.
دارت خيوطُه حول الشرنقة طويلًا،
لكنَّ الفراشةَ وجدت ثقبًا صغيرًا،
فهربتْ محمّلةً بالخوف… وهي تصرخ: كدت أموت!
كيف يدور القيد على رقبة شرنقتي،
كأنني خطيئةُ أحدٍ ما،
ومصيبةُ زمنٍ ما؟
دخل العنكبوتُ بيتَ الشرنقة،
ورفعَ علمًا: “هذا بيتي”، ثم اختنق بخيوطه.
لمن أنتمي؟
وفي عمري رأيتُ من يلجُ البحرَ على قاربٍ،
هربًا من ألفِ حجرٍ،
ومن سقوطِ التلاشي،
من رذاذٍ باهتٍ،
ومن جناحِ فراشةٍ شاحبةٍ يتكسّرُ على الحدود.
كأنَّ البحرَ بساطٌ يحملُ المجهولينَ إلى رفاهيةٍ عابرة،
لا وعدَ بالخلاص،
ولا حتميّةَ للنجاة من الغرق.
والمطرُ ينزلُ على من تحطمَ في وطنهِ، ومن هاجر
ثم انقهرَ على فراق من فارقهم كتفًا على كتف.
والبحرُ ينسيكَ طعمَ الزيتون،
ورائحةَ الزعتر،
ويمنحكَ عطورَ السمكِ المالح،
وقناديل البحر تشعرك بأنك لست وحدك…
بلا زعانف.
رحلوا في الموجِ كقطنِ الصفصافِ في النهر،
أبيضًا… مسرورًا…
لم يكن أحدٌ منا في مأمنه يخشى الثقبَ الأسود؟
فما البحرُ إلا مرآةٌ داكنة،
تمتصّ في جوفها الذاكرة، حتى يبتلعها ثقبٌ
جدرانه نهايةُ الزمن.
هل حدث الثقب الأسود في الذاكرة،
ودارت زوابعُ الذكريات وكأنها تتحسر على بريقها الضائع.
أم أننا جميعًا نلفظُ أنفاسنا،
لنعودَ كما أتينا، عابرينَ إلى وطنِ المولد؟
لمن أنتمي؟
لمنْ تأخرَ عن اليقظة،
وقاتلَ خلفَ خطوطِ الوهم،
لمن انحازَ لهواه دون إذنٍ من يهوى،
لمن باركَ شتاتي،
وردّني إلى حبلٍ مقطوعٍ،
كأنني سقطتُ من الزمنِ فاقدًا الذكرى.
لقد خرسَ اللسان،
وتبعثرَ جميلُ الكلام،
وما تبقى… لا يصلحُ للبهجة،
انتهى وقت الندى، واستقرّ وقت الجفاف من فوق جباهِ المرهقين.
حملنا الكذبَ إلى المقاهي،
أشدّناه، تمنّينا تنينًا خارقَ القوّة، ثم خرسنا.
جلسنا مترنحين من ثِقل الحياة،
وشربَ الكذبُ قهوتَنا بدلًا من الحقيقة،
ثم غادرَ إلى قادمينَ… بلا جدوى.
طالَ وقوفُ الساعة،
وتغيّرت أشكالُ الوقت،
كأن عقاربها تصفَعُ وجوهنا واحدةً تلو أخرى…
يا مصيبةَ الغافلين حينما يبدأ دوران القيم!
طاهر عرابي – دريسدن