#اقرؤوا_بتمعّن 👇🏻:
__________
في خضمّ النقاشات الدائرة حول مسألة الشعر الحرّ، بين مؤيد يرى فيه روحا جديدة في عالم القصيدة، ورافضٍ يراه خروجا عن أصول الشعر العربي، يظلّ السؤال قائما: هل نحن أمام إبداعٍ حقيقي أم عبثٍ باسم الحداثة؟
من خلال هذا المقال، أتناول إشكالية تسمية الشعر الحرّ، وأُضيء على خلفيات هذا المصطلح، متتبّعة مسيرته بين نشأته وتحوّله باختصار، ومواقف بعض كبار الأدباء منه، لأخلص إلى رؤية شخصية تنظر للأدب ككيانٍ حيّ، لا كقالبٍ جامد.
#الشعرالحر_بين_صراع_التسمية_وسُنّة_التحوّل:
كثيرًا ما أسمع من يقول إنّ الشعر الحر مجرد هراء، ويستدلّون برأي العقاد في بدايات هذا اللون الشعري، متناسين أن العقاد عاصر نشأة هذا الفن، وكانت له عقلية تقليدية تميل إلى الكلاسيكيات، وتتحفّظ تجاه التجديد. ولو امتد به العمر ليقرأ ويشهد تجارب الشعر الحر الناضجة اليوم، لربما غيّر رأيه كما غيّره من قبل في مواقف كثيرة.
والعقّاد لم يكن متعصّبًا في تفكيره،
كما يُظن، وإن بدا له في بعض مواقفه شيء من التشدّد، فقد غيّر رأيه في قضايا عديدة:
انتقل من رفضه للرواية كفنّ أدبي دخيل، إلى كتابته رواية "سارة"، وقد كانت الرواية الوحيدة التي كتبها، وأوصل من خلالها فكرة فلسفية عميقة.
وبهذه الرواية أدرك أن الرواية يمكن أن تكون ذات هدف سامٍ، لا فقط من أجل المتعة وتضييع الفكر والوقت.
وقد كانت له مع طه حسين مواقف مختلفة: في بداية العلاقة، كان العقاد يعارض طه حسين بشدة، خاصة في كتابه "في الشعر الجاهلي"، واتّهمه بالتأثر الزائد بالفكر الغربي وبالتعدي على التراث العربي. كما كان العقاد يسخر من روايات طه حسين مثل "أديب" و"دعاءالكروان"، معتبرًا إياها سطحية ولا ترتقي إلى الأدب الفكري الذي يخدم القضايا الكبرى.
أما عن رأي العقاد في الرواية عمومًا، فقد كان في بداياته يرفضها لأنها، برأيه، أدب عاطفي فارغ يخاطب الغرائز لا الفكر، لكنه غيّر رأيه لاحقًا حين قرأ روايات عميقة كأعمال دوستويفسكي وتولستوي، وشعر بالتأثر الفكري، فكتب روايته الوحيدة "سارة" ليؤكد أن الرواية يمكن أن تكون وسيلة لفكرة فلسفية عميقة.
في نهاية العلاقة، خفّ العقاد من نقده لطه حسين، وأقرّ بفضله على العقل العربي، لكنه ظلّ يرى أن طه حسين كمفكّر أهم من طه حسين كروائي. كذلك خفّف من موقفه الصارم تجاه المرأة، فكتب عنها لاحقًا بتقدير أكثر عمقًا. وكان من أبرز من هاجم طه حسين في البداية، ثم عاد ليقرّ له بمكانته الأدبية. حتى موقفه من الشعر الجديد تطوّر نسبيًا قبل وفاته.
إذن، التمسّك بكلامه المبكّر على أنه قول الفصل ليس منصفًا، ولا يعكس روح العقاد النقدية الحيّة.
وكثيرًا ممّن استدلّ بالعقّاد، اعتمد على تصريحٍ للعقّاد في فيديو رائج، أدلى فيه برأيه في الشعر الحرّ، وكان ذلك في بداية انتشاره. ولو عاش العقّاد أكثر وواكب تطوّر الشعر الحرّ، لربّما وجدنا له فيديو آخر يتراجع فيه عن رأيه الأوّل.
وحتى إن ظلّ الأمر كذلك، فليس من العدل أن يبقى حُكم شخص واحد، أو مجموعةٍ قليلة من الأشخاص، سارياً مدى الحياة، لا يقبل النقد ولا النقاش من المفكرين الذين جاؤوا بعدهم. فهذا، في نظري، هو ما يُسمّى بـ"تَحجّر الفكر".
وربما يتساءل بعضنا عن سبب تسميته بالشعر الحر. لقد جاءت تسمية "الشعر الحر" باجتهاد بعض المترجمين العرب الذين نقلوا حرفيًا عن المصطلح الأوروبي Free Verse، أي "البيت الحر" أو "الشعر الحر"، بمعنى أنه تحرّر من وحدة البيت والقافية والوزن الكامل، لكنه لم يتحرر من التفعيلة الموسيقية.
لكن هذه التسمية أثارت إشكاليات: حرّ من ماذا؟ وهل الشعر العمودي كان عبودية؟ وهل الحرية تعني الفوضى؟
لذا ظلّ الخلاف قائمًا إلى اليوم.
أقول إن الشعر الحر ليس بديلاً عن الشعر العمودي، وربما التسمية جاءت جزافًا ولاقت مصادفة رواجًا كبيرًا غير متوقع.
فقد كان من الضروري، مع نشأة هذا النمط الجديد من الشعر، أن يُبحث عن اسم يميّزه عن بقية الأجناس الشعرية. ولعل أول من بادر إلى إطلاق مصطلح "الشعر الحر" على هذا اللون الشعري الجديد هي الشاعرة نازك الملائكة، وذلك من خلال تقديمها لديوانها "شظايا ورماد" سنة 1949، حيث اعتبرت قصيدتها "الكوليرا" (1947) بمثابة الشرارة الأولى لما سمّته آنذاك "الشعر الحر"، مؤكدة أنها صاحبة الريادة في التسمية والبداية.
ورغم ذلك، لا يمكن إغفال الدور الموازي الذي قام به بدر شاكر السياب، إذ كتب هو الآخر بهذا النمط، وإن لم يُصرّح بالمصطلح ذاته في بداياته، بل كان يميل إلى تسميته أحيانًا بـ "الشعر الجديد" أو "الشعر الحديث".
إن هذا التباين في التسمية لا ينفي أن الريادة في إطلاق مصطلح "الشعر الحر" تعود إلى نازك الملائكة، بينما الريادة في تطويره وتثبيت دعائمه قد اشترك فيها عدد من روّاد المرحلة، وفي طليعتهم السيّاب.
ومن المهم الإشارة إلى أن ما يُسمى "الشعر الحر" في الأدب العربي لا يعني التحرر التام من الوزن كما هو الحال في الأدب الغربي، بل هو يقوم على وحدة التفعيلة، مع تحرر نسبي من وحدة الشطر التقليدية، ما جعله يحتفظ بجذوره في العروض الخليلي مع الانفتاح على آفاق تعبيرية أكثر رحابة.
وأنا لا أقول إن الشعر الحر جاء ليُزيح الشعر العمودي عن مكانته، فلكلٍّ مجاله وجمالياته. بل أراه نتاجًا طبيعيًا لحضارة العصر، وصوتًا للإنسان الحديث الذي يبحث عن التعبير بحرية أوسع، دون قيود يخضع لها من أجل إيصال أفكاره وأحاسيسه.
فكلّ البدايات في الحياة لم تبقَ كذلك، حتى الطبيعة تعرضت للتحوّل بسبب التغيرات المناخية، فهل نقول إن الطبيعة تغيّرت، فلنغيّر اسمها؟
ولتقريب الفكرة:
العرب سكنوا الخيام، ثم عرفوا البنيان واستقروا في بيوت الحجارة، فهل نسفوا الأصل؟
ركبوا الجمال والخيول، ثم جاءتهم السيارة والطائرة، فهل نرفضها لأننا نقدّس الماضي؟
الأصل محفوظ، لكن التطوّر ضرورة.
لماذا لا نُنهي هذا الجدل بتسمية جديدة؟
أرى أن الخلاف حول تسمية "الشعر الحر" خلافٌ مصطنع لو جُرّد عن التعصّب.
ومن وجهة نظري، أرى أن الشعر الحر هو عبارة عن "أدب فيه إيقاع"، ولهذا أحب أن أطلق عليه اسم "أدب الإيقاع"، لأنه جنس أدبي مستقل، يجمع بين النثر والإيقاع، ولا يدخل تحت "شعر" ولا تحت "نثر صرف".
فلماذا لا نختار له اسمًا يتّفق عليه شعراء الشعر العمودي والشعر الحديث، لنُنهي هذه المهزلة التي أصبحت صراعًا غير مرغوب فيه بين الطرفين؟ ونحن في غنى عن صراع جديد. يكفي الأمة ما هي عليه اليوم من تشقّق وصراع فكري وثقافي واجتماعي وسياسي، ولننظر إلى الموضوع نظرة تطوّر ومواكبة، لا نظرة تعصّب وموالاة.
وقد يكون من المجدي أيضًا أن يُطرح هذا الأمر في اجتماع أكاديمي علمي رصين، يضم أكاديميين من أنصار الشعر العمودي وأكاديميين من أنصار الشعر الحر، يجتمعون حول طاولة نقاش هادئ، بعيدًا عن التعصّب والمواقف المسبقة، ليعيدوا النظر في هذه التسمية التي أثارت لغطًا طويلًا.
إن اتفاق الطرفين على تسمية جديدة واضحة المعالم، تحترم خصوصية كلّ جنس أدبي، وتُرضي الذائقة النقدية والفنية في آنٍ معًا، سيكون خطوة إيجابية ترفع الحرج واللبس عن الأجيال القادمة، وتجنبهم الدخول في صراعات لغوية لا طائل منها.
قد يُسمّى هذا اللون "أدب الإيقاع" كما أحب أن أسميه، أو يُطرح اسم آخر يتّفق عليه الجميع، شرط أن يُحسم الخلاف بما يُرضي الذائقة الفنية، والذوق الأكاديمي، ويحفظ لكلّ فنّ حدوده ومجاله وجمالياته.
وخلاصة قولي: إنْ كان الاسم هو جوهرَ الاختلاف، فلنبحث له عن اسمٍ يرضي الجميع.
إن هذا اللون الأدبي الحديث له جذوره، وله تجاربه الكبرى التي لا يمكن إنكارها، ولا ينبغي اختزال الجدل حوله في تسميته فقط. الاختلاف قد يكون لفظيًا، لا جوهريًا. لكل عصر لغته، ولكل فنٍّ اسمه المناسب. المهم هو الإبداع، لا اللافتة. فالإنسان كان مضغةً فجنينًا فطفلًا فشابًا فكهلاً فشيخًا، ورغم هذه التحوّلات بقي إنسانًا. فالتغيّر سنّة الحياة وفطرتها.
فدعونا نجد حلًا يرضي الجميع، بمرونة فكرنا لا بتعصّبه.
ويبقى هذا الطرح مجرد رأي شخصي، يحتمل الصواب كما يحتمل النقاش.
وشكرًا للعقول الراقية التي تُحسن الإصغاء قبل إصدار الأحكام.
______
21 / 07 / 2025
شفاء الروح
#مقال_رأي_أدبي
الجزائر 🇩🇿