سلسلة: محاكماتُ النَّجاة (3)
ليس كلُّ من نجا بريئًا… بعضُهم بَقِيَ ليُحاسَب.
حين تصبح النجاة امتيازًا أخلاقيًا
بقلم الكاتب: حسين عبد الله الراشد
___________________________
أخطرُ ما في النجاة أنّها قد تمنح صاحبها شعورًا زائفًا بالتفوّق الأخلاقي.
فليس كلُّ من نجا خرج أنقى… بعضُهم خرج أقدر على التبرير.
ليست النجاةُ، في ذاتها، فعلَ خلاصٍ أخلاقيّ، كما لا يُعدّ البقاءُ برهانَ حكمةٍ أو دليلَ استقامة.
فالنجاة، حين تُجرَّد من سياقها الإنسانيّ، وتُعاد صياغتها بوصفها معيارًا للحكم على الآخرين، تتحوّل من تجربةٍ وجوديّة قاسية إلى امتيازٍ أخلاقيٍّ صامت، يمنح صاحبه حقَّ التقدير، وحقَّ التأجيل، وحقَّ الانسحاب من المساءلة.
في هذه اللحظة تحديدًا، لا يعود السؤال: كيف نجا الإنسان؟
بل: كيف استثمر نجاته؟
وهنا تبدأ المنطقة الأكثر التباسًا في محاكمات النجاة، حين ينتقل الناجي من موقع الدفاع عن ذاته إلى موقعٍ غير مُعلَن يُعيد فيه توزيع القيم، ويُعيد تعريف المسؤولية، ويمنح نفسه—دون تصريح—مكانةً أعلى في سلّم الحكم الأخلاقي.
حين تصبح النجاة امتيازًا أخلاقيًا، لا تُستخدَم بوصفها ذكرى مؤلمة تستدعي التواضع، بل بوصفها خبرةً تُضفي على صاحبها شرعيّة الفهم الأعمق، والحذر الأذكى، والانسحاب “الأكثر عقلانية”.
يُعاد تأويل الصمت على أنّه حكمة، والتراجع على أنّه نضج، والمهادنة على أنّها قراءة واقعية للعالم، بينما تُفرَّغ المبادئ من حدّتها، وتُعاد صياغة القيم بما لا يزعج الاستقرار الشخصي.
الناجي هنا لا يتواطأ بالمعنى التقليدي، ولا يشارك في الفعل، لكنه يُقيم نظامًا ذهنيًا جديدًا تُقاس فيه الأمور من زاوية واحدة: زاوية البقاء.
ومتى تحوّل البقاء إلى معيارٍ أعلى من العدالة، صار كلُّ ما عداه قابلًا للتأجيل، وكلُّ مساءلةٍ عبئًا غير ضروري، وكلُّ موقفٍ أخلاقيٍّ مخاطرةً غير محسوبة.
في التحليل الأخلاقيّ العميق، لا تُختزَل المسؤولية في الفعل المباشر، بل تشمل الامتناع الواعي، والقبول الضمني، وإعادة إنتاج المعنى المختلّ عبر الصمت المُبرَّر.
فالصمت، إذا صدر عن إدراكٍ كامل، لا يبقى حيادًا، بل يغدو موقفًا، ويغدو الاستثناء الذي يمنحه الإنسان لنفسه قانونًا داخليًا يُمارَس على الآخرين.
هكذا تتشكّل أخطر صور الامتياز:
أن يرى الناجي في نجاته مبرّرًا لتخفيف المعايير،
وأن يُقنع نفسه بأن ما لا يحتمله هو بالضرورة غير واجب،
وأن يُحوِّل التجربة الشخصية إلى قاعدةٍ عامة يُقاس بها العالم كلّه.
ولا يتجلّى هذا الامتياز في الخطابات الكبرى فقط، بل في التفاصيل الدقيقة للحياة اليومية:
في ناجٍ يوزّع الثقة بحسابٍ بارد، لا بدافع الحكمة، بل خوفًا من تكرار الخسارة.
وفي ناجٍ يُعيد تفسير العلاقات بوصفها مخاطر محتملة، لا روابط إنسانية.
وفي ناجٍ يتحدّث بلهجة العارف، بينما هو في الحقيقة يُعمِّم فزعه القديم على الجميع.
إن أخطر ما في هذا الامتياز الأخلاقيّ أنّه لا يبدو شرًّا، بل يبدو منطقيًا، معقولًا، وقابلًا للدفاع عنه بلغة العقل والواقعية.
وهنا تكمن المعضلة: حين يُجرَّد العقل من ضميره، يصبح أداةً لتجميل الانسحاب، وتبرير الصمت، وترويض القيم حتى لا تطالب صاحبها بشيء.
ليست محاكمات النجاة إدانةً للإنسان لأنه نجا، بل مساءلةٌ لما فعله بنجاته بعد أن زال الخطر.
هل جعلها بابًا للفهم والمراجعة؟
أم حوّلها إلى رصيدٍ أخلاقيٍّ خاصّ يُعفيه من كلفة السؤال، ومن عبء الموقف، ومن شجاعة المواجهة؟
حين تصبح النجاة امتيازًا أخلاقيًا، لا يُهدَّد الحقُّ بالفعل، بل يُستنزَف بالتبرير، ولا يُقوَّض العدل بالقوة، بل يُؤجَّل بالعقلنة، حتى يفقد معناه دون أن يصرخ أحد.
وفي الحلقات القادمة من هذه السلسلة، لن نقف عند حدود الامتياز الفردي، بل سننتقل إلى ما هو أشدّ قسوة:
حين تتحوّل النجاة من تجربةٍ شخصية إلى ثقافةٍ جماعية،
وحين يصبح البقاء خطابًا عامًا يُعاد إنتاجه،
وحين يُطالَب
الإنسان بأن ينجو… لا بأن يكون عادلًا.