الأحد، 18 يناير 2026

ضجيج الأرض بقلم الراقي سامي الشيخ محمد

                                               ضجيج الأرض


 

من يشتري لحماً

بعد أن غدا اللًحم عزيزاً على الطعام؟

كلّ اللّحوم غالية الأثمان

إلا لحومنا الآدميّة أضحت

بأبخس الأثمان

لمن التوسّل لغير سيّدنا ومولانا الجليل؟

لمن الشّكوى لغير الواحد القهّار؟

بك الرّجاء ومنك العطاء

إلهنا الّذي في العلا

نسألك رحمة مزجاة

تريح الأنفس المؤمنة بك

تهب الحياة

أيّها الملأ الأعلى

قد ضجّت الأرض بالأنين

وارتفعت الشّكوى لربّ السّموات والأرض

لعلّ سحابة تزفُّ البشرى بغد واعد

يحيى القلوب الظّماء

بسقيا رحمة تطفئ ظمأ العروق العطشى

لقطر الغيوم المبارك

إيذانا بالولادة الجديدة

على وقع خطى أمواج اليمّ

وترانيم السّ

لام


د. سامي الشيخ محمد

لحن الحروف بقلم الراقي مصطفى أحمد المصري

 لحن الحروف

‏اعزفْ يا حروفي على أوتارِ السطور

‏لحنَ الشوقِ حين يفيضُ ولا يُقال

‏دعيني أرتّلُ الصمتَ نبضًا

‏وأطرّزُ الليلَ بنجمةِ سؤال

‏أنا ما كتبتُ سوى ارتجافةِ قلبٍ

‏إذا لامسَ المعنى تهادى وطال

‏فكوني نشيدَ الضوءِ في لغتي

‏إذا ضاقَ بي الحرفُ، واتّسعَ الخيال

‏وسيري معي حيث تمشي المعاني

‏حفاةً على نبض هذا المقال

‏فكم فكرةٍ نامتْ بعمقِ الحشا

‏أفاقتْ إذا لامسَتها الظلال

‏أغنّي فتخضرُّ صحراءُ صمتي

‏ويورقُ في الروحِ عهدُ الوصال

‏فيا حرفُ لا تخشَ طولَ الطريق

‏فكلُّ القصائدِ تبدأ سؤال

‏إذا متُّ يومًا فكوني بقاياي

‏صدىً دافئًا، وضياءَ المآل

‏وقولي: هنا شاعرٌ مرَّ يومًا

‏وعزفَ الحياةَ على وترِ الحال

‏بقلمي مصطفى أحمد المصري 

لا أتجاهل بقلم الراقي وحيد حسين

 لا أتجاهل

أنا لا أتجاهل حين تحدثني نظراتكِ

لكن تخجل عيني منكِ

أكتب حرفي أهرب لسطوري وغزلكِ

وأودعها نبض القلب

أنزف في كلماتي مشاعر تبكي حبكِ

أترنم عشقاً لك أشدو

أبعثر حزني أروي أشواقي بحضوركِ

أمضي مجنوناً نحوكِ

أضحك بضجيجٍ أسعى حثيثاً لوصالكِ

لا أعلم أفؤادي مثلكِ

تعشق بخفاءٍ وتواري ليأسرني دلالكِ

إزداد بصدري غرامكِ

تمضي أيامي وتفارقني روحي إليكِ

فما بين ضلوعي فراغ

ومسافاتٍ من صمتٍ تسرقني لخيالكِ

ألا تسمع آهات مسائي

وهي تنادي تتألم تستجدي أنفاسكِ

تطلب شغفاً مولاتي ودكِ

أضناني الليل وخاصم أهدابي طيفكِ

فترفق خذني طوقني بأحضانكِ


وحيد حسين

17/1/2026

ألحان أوتار بقلم الراقي صلاح زكي

 أَلحَانٌ وأَوتَارٌ

.................

إِذا مَا أشرقَتْ

عَيناكِ فَجرًا

خِلتُها زَهرًا نَديًّا

فَاحَ في الأُفقِ البعيدِ

شَذَاهْ..

اليَاسَمِينُ مِنكِ يَغَارُ 

فَراشاتُ الرَّبيعِ تَهفُو 

تَرشفُ من الزَّهرِ

 نَدَاهْ..

طائرُ الحُبِّ هُنا يَشدُو..

هُنا يَلهُو..تَخفقُ بالزَّهوِ

في الفَضَاءِ البَعِيدِ

جَنَاحَاهْ..

غَرِّد أيُّها الشَّادِي ..تَرَنَّمْ..

اِملَأْ الكونَ ابتهالًا

نسمعُ للشَّدْوِ صَدَاهْ..

بينَ أَحضَانِ المُروجِ 

وفي الغُصُون..

تَعبثُ بالنُّور أَنَّىَ

 تَراهْ..

كَرِّرْ الأَلحانَ وترًا

مَزِّق الأَوْتَارَ شَوقًا :

يا حَبيبِي لا تَدَعنِي..

أَسْكُبُ الأشواقَ نهرًا...

فوقَ هاماتِ الجِبالْ..

أَنْحَرُ الآهَاتِ سِرًّا...

في سُكونٍ وجُنُون...

..........................

صلاح زكي

أحبك ...هل يفي الكلم؟بقلم الراقي محمد المحسني

 «أحبُّكِ... هَل تيفي الكَلِمُ..؟»

الشاعر : محمد المحسني 


أُحِبُّكِ.. هَلْ تَفِي الكَلِمُ..؟

أُحِبُّكِ.. لَيْتَهَا تَكفِي.. 

وَلَيْتَ لُغَاتِ هَذَا الكَونِ

تَسعَفُ نَبضِيَ المَجنُونَ.. 

تُنصِفُهُ بِمَا يَكفِي مِنَ الوَصفِ!

أُحِبُّكِ مِلءَ هَذَا الكَونِ..

أَشواقاً ، 

      وَأَرواحاً ، 

               وَإِحسَاساً ، 

                           بِلا سَقفِ

فَمَا كَانَ الهَوَىٰ يَوماً عِبَارَاتٍ

نُرَدِّدُهَا... بِلا رُوحٍ.. وَلا عَرفِ.. 

أُرُومُ لِمَا أُحِسُّ لَدَيكِ «تَعرِيفاً»

فَيَعجِزُ عَن مَدَاكِ.. تَمَامُ تَعرِيفِي!

وَلَو كَانَ الجَوابُ بِرَاحَتِي طَوعاً

لَجِئتُ بِهِ.. وَعَجَّلتُ التَّصَارِيفَ.. 

وَلَكِن.. لَيسَ لِي حُكْمٌ عَلَى قَلْبِي

    وَلا حَولٌ.. وَلا حِيلَةْ... 

هُوَ الإِحسَاسُ فِي الأَعمَاقِ

 يَأْسِرُنِي

       يُحَاصِرُنِي

                   يُنَازِعُني

وَيَجعَلُ نَيْلَ وَصلِكِ أَعظَمَ

          النِّيلَةْ

سَأَلْتُ اللهَ لَذَّتَهُ.. فَأَنزَلَهُ 

     عَلَى قَلبِي... 

فَمَا أَحلاهُ مِن قَدَرٍ.. تَبَدَّىٰ فِي

        رُؤَىٰ الدَّرْبِ

وَمَا أَزْكَاهُ مِن

      حُبٍّ 

          وَإِحسَاسٍ..

                     وَمِنْ قُربِ

أُحِبُّكِ..

لَيتَهَا تَكْفِي

فَمَا عادَتْ حُرُوفُ الشَّوقِ

        تُدرِكُنِي

وَلا الأوزانُ تُغنِي الشَّاعِرَ

   المَلهُوفَ عَن كَشفِ

أَنَا المَصلُوبُ فِي عَينَيكِ..

أُغنِيَةً.. تُسَافِرُ فِي مَدَىٰ الأَجفَانِ

    مِن صَفٍّ إِلَى صَفِّ!

رَأَيتُكِ «جُملَةً» لَم يَبدُ آخِرُهَا

تَعَالَت عَن قِيَاسِ النَّاسِ.. عَن

    رَسمٍ وَعَن عَرفِ

فَيَا نَحوَ القُلُوبِ.. وَيَا مَنَارَ

    ضُحَىً

تَرَفَّق بِالَّذِي أَمسَىٰ.. رَهِينَ

    «الضَّمِّ» و «الوَقفِ»

أُحِبُّكِ.. كَيفَ أَشرَحُهَا..؟! 

وَقَلبِي صَارَ قِرطاساً.. 

وَرُوحِي أصبَحت حَرفِي

سأَلتُ اللهَ أَن يَبقَى.. هَوَاكِ

     لِخَافِقِي نَبضاً

فأَنتِ بَقِيَّتِي الأَغلَىٰ.. وَأَنتِ

   ذَخِيرَةُ الظَّرفِ 

ولَو نَطَقَ السُّكُونُ.. لَقَالَ : 

   «يا أَمَلِي»

بِأَنَّكِ كُلُّ مَا أَرجُو.. 

وَأَنَّكِ غَايَةُ الشَّغْ

فِ

     أحِبُّكِ..

        ليتَهَا تَكفِي

     ___________

دواء الزاوية بقلم الراقية فريال عمر كوشوغ

 دَواءُ الزاوية         

في رُكنيَ الـمُعتمِ بـنيتُ صومعةً للأحلام ...

أرقبُ طيفَهُ ليستحيلَ واقعاً ،

فما نفعُ الرؤى إن لمْ يبلُغْني صوتُهُ ..

بالودِ ، بالرحمةِ ، وبعطفٍ

 يطوي المسافات ... ؟؟

لا الزادُ يُشبعني وهو بعيدٌ ،

ولا نسيمُ الحياةِ يملأُ رئةَ الانتظار ..

مع كلِّ فجرٍ أتهجّى رسائلَهُ في 

شاشتي الصغيرة ...

أستنطقُ الرموزَ ، وأطمئنُّ على 

نبضِهِ في المنافي ...

أهيمُ بوجوهِ العابرينَ لعلّي ألمحه ،

أحتسي قهوتي وحيدةً ،

أبتلعُ أقراصَ الأمل ،

وأعودُ بصمتٍ ...

إلى طاولةِ الترقّب ...

يا للمسافاتِ التي اقتاتت على أعمارِنا ... !!!

أركضُ بقلبي نحوَ السماء ،

أجمعُ المطرَ من رسائلِ العائدين ..

حضرَ الجميعُ إلاّ هو ...

بقيَ غصّةً في حنجرةِ الوقت ...

لكنّ أحلامي إشاراتٌ ضوئيةٌ 

لا تنطفئ ...

تُبشرني أنَّ اللقاءَ دانٍ ...

وأنَّ الغيابَ كالشتاءِ ...

 آيلٌ للانكسار ...


بقلمي✍️فريال عمر كوشوغ

أسطورة عمري بقلم الراقية سعيدة شباح

 أسطورة عمري

صباح السعد و الأفراح و الخير 


صباح الشهد يا عطر الأزاهير


و كيف الحال يا حالي و يا أملي 


و يا كلي و يا توهج النور


صباح الخير و تغريد العصافير 


صباح البسمة تشرق شمسا 


فأسعد و تزهو أساريري 


صباح الفرح يا نبضي و أنفاسي 


هدوئي أنت و أنت أعاصيري 


أحاول وصف مزاياك


فتحتار تعابيري


لأنك فوق الوصف شامخة 


 أسطورة من أق

وى الأساطير


سعيدة شبّاح

رسالة من شاعر بقلم الراقي مهدي داود

 رسالة من شاعر

*********

مولاتي. ..عشق الزمان 

فى الكون المترامى الأطراف 

من صدر الليل الأزرق 

أبعثها...رسالة شاعر

فأنا والحب عشيقان 

وانا والقلم صديقان

الشعر يرابط إحساسى

 يسحرنى بهمس الإلهام

أخرج من جسدي وأفيق 

لا أعلم للشط طريق

أفرش فى دربى هداية

ﻻ أجعل للحزن بداية

أتوسد عمق النبضات 

فالشعر غرامي وجمالى

والشعر حياتى...مملكتى 

وأعود أغنى منبهرا

من عمق الزمن الولهان 

وتمر اللحظة كالأوهام 

ومشاعر حب عفوية 

تحملني. ... تعصرنى عصرة

بسياج من نور أخضر

تتعاقب فيه الألوان 

أزرق أحيانا أو أحمر

سيظل دمائى. ...عنواني 

سيظل عروقي ..نبضاتى

يتهادى سحرا بكيانى

حتى أتوسد أكفانى

                *********


كلمات الدكتور الشاعر

 / مهدى داود 

...... مصر

أما قبل ...قبل كلمة وشعور بقلم الراقي الطيب عامر

 أما قبل.... قبل كلمة و شعور....

لطالما فكرت في اقتحام الليل عليك و بكل ما أوتيت من تهور اللغة 

و لكن القمر كان دوما يستجديني و يترجاني ألا أزعج سكون نجمته الشاردة ،

و بيني و بينه كان يرشوني بمعاني اسمك و جدائل قصيدة ،

فأتراجع إلى الوراء قاب حرفين و زيادة ،


حرف كتبتك به مرارا على بياض الوقت 

و لكم تلطفت في ذلك لئلا أشعرن بك غيرة الأبجدية ،

لا شاهد لي سوى ما ورثته عن دلالك من مواسم الغنج الغجرية ،

 

و حرف رسمتك به كثيرا على وجه الفن بريشة شقية 

من مادة الخيال ،

أطعمت به صوتك لغرور الموسيقى على مسارح الإستثناء ،

و ادخرت ما تبقى منه لأشتري بسمتك من صباحات

الشتاء ،


أما بعد.... بعد بسمة و عناق.... 


فكم كنت ضالا عن صراط الإلهام حتى ارتطمت قريحتي 

بك بينما أنت تنزلين من أعالي الصدفة ،

التقيتك هناك تشترين الفرح من سوق الوسامة ،

أنت و بهجة أغنية و هديل حمامة ،


هذا خطابي لك و إنه لمكتوب بمداد الوتين ،

يا امرأة كلما ابتعدت تركتني ضائعا بين ألغاز

الياسمين ،

و كلما اقتربت فابتسمت صارت شكلا من أوسم 

أشكال اليقين .....


.



الطيب عامر / الجزائر ....

فصل الشتاء بقلم الراقية نهلا كبارة

 فصل الشتاء


كلما حط يراعي على بياض أوراقي

تبتسم أحرفي و ترقص طربا

متلهفة للتعبير عن إحساسي 

ألج هدوء مشاعري ... ابعثرها 

على صفحات الشتاء الرمادية 

أرسمها لوحات تعبيرية 

أزخرفها بألوان الفصول

من ربيع مزغرد و منعش

إلى قيظ صيف يحرق الأنفاس

و خريف ثائر ينفض عن كاهله 

ثوب الرتابة الأصفر 

إلى شتاء يركن في هدوء

يحتمي بدثار صوفي 

أمام مدفأة نارها تلتهم الحطب

 و الصواعق تشق السكون 

و يتسلل ذاك النور عبر النوافذ

يضيء عتمة الليل المدلهم

و صهيل الرياح الغاضبة 

تعبث بالغيوم المثقلة

تسكب الخير فوق الروابي 

و تحتفل التربة بسخاء الأمطار

تتدفق الينابيع ببهجة

إلى مجرى نهر كاد يجف 

من شح المياه

و على ضفافه تلوِّح الأشجار

بحماسة المشتاق للفرح


في فصل الشتاء 

تختال قمم الجبال

بثوب الوقار الأبيض 

تتصالح الروح مع الطبيعة

و الكل يسبح بحمد الخالق


نهلا كبارة ٢٠٢٦/١/١٨

البركان الثائر بقلم الراقي عصام أحمد الصامت

 "البركان الثائر"

قصيدتي المُتيمة بالشوق تئنّ

كالقمر الباكي في ليلة دامية

غداً سأقول شعراً كالنار تشتعل

وتحرق كل من يقترب من لهيبها

غداً سأصبح شاعراً كبيراً يُلقى

له بالبنان والقلوب مفتوحة

وسوف أبحر في بحر الأماني

أبحث عن كنز الحكمة والشجاعة

وعن شمس الحقيقة التي لا تغيب

وعن قوة الإرادة التي لا تلين

ولكنني أعيش في بلادٍ قاسية

ترى الحب ضعفاً وتهجره

وترى الشوق مرضاً يجب التخلص منه

وأنا أعاني من هذا المرض

فقلبي يشتاق إلى الحب والشوق

ويبحث عن من يشاركني هذه المشاعر

ولكنني أجد نفسي وحيداً

كالغريب في بلادٍ لا تعرفني

فكيف أجد من يشاركني حبي؟

وكيف أجد من يفهم مشاعري؟

فأنا قلبي كالبركان الثائر

يبحث عن من يطفئ لهيبه

ويهدئ من ثورته وجنونه

فأين من يفهم قلبي ويشعر به؟

أين من يشاركني حبي وولهى؟

بقلمي عصام أحمد الصامت

ليس كل من نجا بريئا بقلم الراقي حسين عبدالله الراشد

 سلسلة: محاكماتُ النَّجاة (3)

ليس كلُّ من نجا بريئًا… بعضُهم بَقِيَ ليُحاسَب.


حين تصبح النجاة امتيازًا أخلاقيًا


بقلم الكاتب: حسين عبد الله الراشد

___________________________

أخطرُ ما في النجاة أنّها قد تمنح صاحبها شعورًا زائفًا بالتفوّق الأخلاقي.

فليس كلُّ من نجا خرج أنقى… بعضُهم خرج أقدر على التبرير.

ليست النجاةُ، في ذاتها، فعلَ خلاصٍ أخلاقيّ، كما لا يُعدّ البقاءُ برهانَ حكمةٍ أو دليلَ استقامة.

فالنجاة، حين تُجرَّد من سياقها الإنسانيّ، وتُعاد صياغتها بوصفها معيارًا للحكم على الآخرين، تتحوّل من تجربةٍ وجوديّة قاسية إلى امتيازٍ أخلاقيٍّ صامت، يمنح صاحبه حقَّ التقدير، وحقَّ التأجيل، وحقَّ الانسحاب من المساءلة.

في هذه اللحظة تحديدًا، لا يعود السؤال: كيف نجا الإنسان؟

بل: كيف استثمر نجاته؟

وهنا تبدأ المنطقة الأكثر التباسًا في محاكمات النجاة، حين ينتقل الناجي من موقع الدفاع عن ذاته إلى موقعٍ غير مُعلَن يُعيد فيه توزيع القيم، ويُعيد تعريف المسؤولية، ويمنح نفسه—دون تصريح—مكانةً أعلى في سلّم الحكم الأخلاقي.

حين تصبح النجاة امتيازًا أخلاقيًا، لا تُستخدَم بوصفها ذكرى مؤلمة تستدعي التواضع، بل بوصفها خبرةً تُضفي على صاحبها شرعيّة الفهم الأعمق، والحذر الأذكى، والانسحاب “الأكثر عقلانية”.

يُعاد تأويل الصمت على أنّه حكمة، والتراجع على أنّه نضج، والمهادنة على أنّها قراءة واقعية للعالم، بينما تُفرَّغ المبادئ من حدّتها، وتُعاد صياغة القيم بما لا يزعج الاستقرار الشخصي.

الناجي هنا لا يتواطأ بالمعنى التقليدي، ولا يشارك في الفعل، لكنه يُقيم نظامًا ذهنيًا جديدًا تُقاس فيه الأمور من زاوية واحدة: زاوية البقاء.

ومتى تحوّل البقاء إلى معيارٍ أعلى من العدالة، صار كلُّ ما عداه قابلًا للتأجيل، وكلُّ مساءلةٍ عبئًا غير ضروري، وكلُّ موقفٍ أخلاقيٍّ مخاطرةً غير محسوبة.

في التحليل الأخلاقيّ العميق، لا تُختزَل المسؤولية في الفعل المباشر، بل تشمل الامتناع الواعي، والقبول الضمني، وإعادة إنتاج المعنى المختلّ عبر الصمت المُبرَّر.

فالصمت، إذا صدر عن إدراكٍ كامل، لا يبقى حيادًا، بل يغدو موقفًا، ويغدو الاستثناء الذي يمنحه الإنسان لنفسه قانونًا داخليًا يُمارَس على الآخرين.

هكذا تتشكّل أخطر صور الامتياز:

أن يرى الناجي في نجاته مبرّرًا لتخفيف المعايير،

وأن يُقنع نفسه بأن ما لا يحتمله هو بالضرورة غير واجب،

وأن يُحوِّل التجربة الشخصية إلى قاعدةٍ عامة يُقاس بها العالم كلّه.

ولا يتجلّى هذا الامتياز في الخطابات الكبرى فقط، بل في التفاصيل الدقيقة للحياة اليومية:

في ناجٍ يوزّع الثقة بحسابٍ بارد، لا بدافع الحكمة، بل خوفًا من تكرار الخسارة.

وفي ناجٍ يُعيد تفسير العلاقات بوصفها مخاطر محتملة، لا روابط إنسانية.

وفي ناجٍ يتحدّث بلهجة العارف، بينما هو في الحقيقة يُعمِّم فزعه القديم على الجميع.

إن أخطر ما في هذا الامتياز الأخلاقيّ أنّه لا يبدو شرًّا، بل يبدو منطقيًا، معقولًا، وقابلًا للدفاع عنه بلغة العقل والواقعية.

وهنا تكمن المعضلة: حين يُجرَّد العقل من ضميره، يصبح أداةً لتجميل الانسحاب، وتبرير الصمت، وترويض القيم حتى لا تطالب صاحبها بشيء.

ليست محاكمات النجاة إدانةً للإنسان لأنه نجا، بل مساءلةٌ لما فعله بنجاته بعد أن زال الخطر.

هل جعلها بابًا للفهم والمراجعة؟

أم حوّلها إلى رصيدٍ أخلاقيٍّ خاصّ يُعفيه من كلفة السؤال، ومن عبء الموقف، ومن شجاعة المواجهة؟

حين تصبح النجاة امتيازًا أخلاقيًا، لا يُهدَّد الحقُّ بالفعل، بل يُستنزَف بالتبرير، ولا يُقوَّض العدل بالقوة، بل يُؤجَّل بالعقلنة، حتى يفقد معناه دون أن يصرخ أحد.

وفي الحلقات القادمة من هذه السلسلة، لن نقف عند حدود الامتياز الفردي، بل سننتقل إلى ما هو أشدّ قسوة:

حين تتحوّل النجاة من تجربةٍ شخصية إلى ثقافةٍ جماعية،

وحين يصبح البقاء خطابًا عامًا يُعاد إنتاجه،

وحين يُطالَب 

الإنسان بأن ينجو… لا بأن يكون عادلًا.

حسن الطالع بقلم الراقي محمد احمد دناور

 (حُسنُ الطالعِ )

               ِ عذراً لاتلمنْي

                 إن تناسيتُ 

                  وتناسيت

               أوعلقتُ تقصيري

            على شماعةِ الوقتِ 

         فجلُ منايَّ أن يمتدَ حبلُ الشوقِ

         ويرتفعُ نبضُ الوجدِ

              تعالَ أيها الصبُّ

                طالَ انتظاري

           وقد أُتلِفَتْ نياطُ القلبِ

        ماعادَ معيَّ صبرٌ يُجدي

          ومالي جَلَدٌَّ على البُعدِ 

         وفاقدُ الشيئِّ كيفَ يُعطيهِ ?

              افتحْ ذراعيكَ

         إني قادمةٌ بمنطادِ التوقِ

            كيَ تُمسي عذاباتي

              نعيماتٍ وطالعَ سعدِ

أ ..محمد أحمد دناور سوريا حماة حلفايا