"عاش… عاش"
«لا ترحل قبل فوات الأوان، فهو أطول من عمرك.»
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – كُتبت في 06.07.2020 | نُقّحت في 20.10.2025
إنها الهجرة… تلك التي لا تنقطع وتتكرّر، كأنها قدرٌ معلّقٌ بين الأرض والبحر.
صرتُ أخشى زمنًا تتقاطع فيه الهجرةُ مع الحلم،
وتتماهى فيه الأوطانُ مع المنافي، ليولد منه صرخةٌ ساخرة،
ومرآةٌ فاجعة لواقعٍ يُغرِق أبناءه في التيه،
ويتركهم معلَّقين بين موج البحر ولهيب الذاكرة.
ــــــــــــــــــــــــ
عاش… عاش
عاشَ المحيطُ المتجمّد البعيد،
عاشَ البحرُ الميتُ الوحيد،
عاشَ البحرُ الأحمرُ باللون الأزرقِ الفريد،
عاشَ الشريانُ المرقطُ بالقلق،
عاشَ البُستانُ الأخضر، بعشبٍ جافٍّ متألّق.
عاشَ حمارٌ يتلوّى في المنافي،
حوافرُه على بساطٍ، ورأسُه متخفّي.
عاشَ مهاجرٌ يطفو على سطحِ البحر،
سمكٌ بشريٌّ بلا زعانف،
ينادي النجدةَ بصوتٍ خائف،
لا يترجمهُ نورسٌ تائه،
ولا يقبلهُ الخفّاشُ الأعمى
وهو يدور السماء ولا ينسى الكهف.
وعاشَ مواطنٌ متروكٌ في وطنه،
يبني حتى مدرسته
ويحلمُ برغيفٍ، ويغلي أملاً هشًّا
مع شاي الفقراء
في وعاءِ الصمتِ المموّهِ بالرعب.
لقد بلغنا من السُّقم حدًّا مخيفًا.
من نكونُ في وطنٍ يتبدّل؟
ولم نره يومًا واحدًا
جمهوريًّا… شعبيًّا… لطيفًا،
تحكمهُ الحكمة،
ويحملهُ المنطقُ والروعة،
جمهوريةُ الفوضى تتكسرُ على الفوضى،
ولا تتحسسُ سوى الفوضى،
وكأنَّ الفوضى نعشٌ يُروِّضُ أصحابَه.
حدثوني: كيف يعرف القلقُ أنه ضيفٌ لا يشقى ولا يعتق؟
ونحن نبدّل الأحلامَ علّها تنسانا تستحي وتغرق.
في كلِّ جيلٍ نقدّم لائحةَ اللوعة،
ونبحرُ كما يبحرُ زبدُ البحر،
لا نرفعُ الشراعَ لننجو،
بل نرفعهُ لنطمئنَّ إلى الوجود ،
في اتجاهٍ مجهول،
حيث يبدأ الوحيدُ في وحدتِه وهو معزول،
ونحملهُ كعلمٍ لوطنٍ لم نحلمْ به،
ونضربُ البحرَ بسياطِ يأسِنا،
نظنُّ أن الموجَ سيخجلُ منّا،
أو يلين،
لكنَّه البحر…
لا صديقَ للمهاجرِ فيه،
ولا قلبَ يرحمُ من غرق،
أزليٌّ استوطنَ حوضَهُ ونسي الخلق
ليس ملكًا، ولا حزبًا،
ولا يُسجِّلُ العفيفَ ولا السارقَ.
لم نكن أوفياءَ كما طلب الوفاء،
أن نرى في المرايا الجميع،
ونرى في الجميع رؤيةَ الروحِ والهدف،
نسينا ولم نمنح،
لا للمطر، ولا للهواءِ،
ولا للنحلِ والعشب،
ولا للترابِ الذي حملَ الحياة،
وغرسَ الزيتونَ والعنب.
صافحنا الحياةَ فرادا متكبّرين،
فخورين بأننا عمالقةٌ في قالبٍ من وَهم،
نصنعه لنغيظ الصدق
مثلَ مصباحِ علاء الدين،
نفركُ وجوهَنا… وننتظرُ المارد،
فيخرجُ علينا ملكُ الهربِ يرسمُ لنا طريقَ الثلج،
فننساقُ، نخلعُ عنّا ملامحَ الولادة،
ونغدو كائناتٍ لا تُحلّقُ ولا تزحف،
ولا تدركُ معنى الانتحار.
هل أقوياءَ كُنّا؟
حينما كانتِ القوّةُ تُقاسُ بإناخةِ البعير؟
أوفياءَ كُنّا؟
حينما كان عقدُ الزواجِ بخيمةٍ… وحمار؟
كُنّا نظنُّ — أرخصَ الظنونِ —
أن لا قهرَ يقهرُنا في زمنٍ،
ولا ثعبانُ يصنعُ منّا الفزع.
تلكَ مغالطةٌ تقتلُ الانتماء،
حتى صرنا ندخلُ بيوتنا كأنها وطنٌ بديل،
مزيّنةٌ، مزركشةٌ،
مطليّةٌ بألوانِ الوحدةِ في حبِّ الحياة،
وطنٌ في وطنٍ… من ورق،
ومن اختفاء الملامح تحت السمع في الطرق.
احترقَ الوطنُ من فتائلِ مصابيحٍ أُطفئتْ،
هرعنا نبحث عن الجناة، وبيدنا الخوف،
بحجم الروح والجسد.
لم نبحث عن نارٍ تضيء،
بحثنا عن مساءلةٍ وعقابٍ،
في ظلالِ الخوف والنفاق.
فسمعنا النارَ تقولُ:
“تظنونَ أنّي خُلِقتُ لأبتلعَ الحطبَ،
ونسيتم أنّ كلَّ شيءٍ يفقدُ ماءَ وجهِه،
ويصيرُ خشبًا يُهوى بلا محبّة.”
نخرجُ من جباهِنا، لنتلظّى بعيدًا عن عيوننا،
نختلفُ في مذاهبِ الصبر،
ونحتارُ في أسماءِ المصائب.
نعيشُ غرباءَ، خائفين، مختبئين،
من يكتشفُ الأسماءَ، سيعثرُ على نفسه مقيدًا،
على مفترقِ الطرق.
نهجرُ… ثم نهجرُ…
مثل زوابعٍ تتمايل على فوضى الدوران.
نعبرُ البحرَ بلا قهر؛ ليس شجاعةً، بل وداعًا.
نقفزُ فوقَ الأسلاكِ والأشواك،
نشربُ من ماء المطر،
ونعبرُ حدودًا لم نعرفْ أصحابَها،
نسلكُها بحثًا عن الحرية،
ولو كانتْ تحتَ البحر… بلا نفق.
لكنهم جنودُ الحبِّ المنسيّ، في انتظارِنا،
كأننا نحملُ لهم صيغةً منسيّةً
من الصدقِ والخلق، من رحيقِ آدم.
خسرنا الرهان على جمهورية البهجة .
فلنكتبْ:
قسونا على القلمِ والدفاتر،
ونسينا النهرَ الأزرق،
ونسينا البحرَ الأبيضَ والأحمر.
فلنتحرّكْ… فليس للمهزومِ
خيارٌ إلّا أن يقاوم،
وفي يدهِ ضوءُ النهار،
لا الشراع، ولا القارب،
ولا هتافُ المنقذين،
الذي نظنّهُ يشبهُ وسادةً للحياة.
لا تهاجرْ…
وأنتَ عارٍ من الوطن.
إن تركتَ وطنكَ،
ليستْ لك وطن،
كلُّ ما لديك عمرٌ يمضي،
وتنساهُ الملائكة،
وتعجزُ عن ذكرك شجرةٌ.
شعاعٌ تنكسر عند كلّ منعطف،
والضوءُ يخفو في وحدتك.
طاهر عرابي – دريسدن