قصة قصيرة-
— زهرة
تحرقها شمس"
------
كانت تشبه زهرة أقحوان تفتح قلبها للشمس كل صباح، تنشر دفئها كأنها لا تعرف الذبول. في عينيها اتساع بحر لا يضيق، وفي روحها سكون النخيل حين ينحني للريح دون أن ينكسر. امرأة تحلم ببيت يضحك، وبمرافئ آمنة لأطفالها، تمنحهم من صبرها ما يكفي لبناء عمر. أما هو، فكان جبلًا متغطرسًا، ديكتاتوريًا في صمته، نرجسيًا في رومانسيته، يزهو بروحه كما يزهو الطاووس حين يظن أن العالم صُمم من أجله.
بدأت الحكاية بزواج صالونات، هادئ الملامح، خالٍ من العواصف، لكنه محمّل بوعودٍ لا تُقال. في البداية، بدت الأيام صافية، لكنها كانت تخبئ غيومًا ثقيلة. النظرات بدأت تشتد، الكلمات تنزلق إلى أماكن أكثر حِدّة، واليد التي كانت تمسك بها بحنان صارت تضغط أكثر مما تحتمل. كانت تبتلع الألم كما تبتلع الأرض المطر، ظنًا منها أن الزرع سيثمر حبًا جديدًا. لكنه كان كلما شعر بانفلاتها، أعادها إلى قفصه بقبضة من حديد وقفاز من حرير.
تحول البيت إلى سجن بأبواب مفتوحة، يمرّ فيه الضوء لكنه لا يحرر أحدًا. كل محاولة للهرب كانت تصطدم بالتهديد نفسه: “لو تركتِني سأقتل الأولاد وأجعلك تتحسرين عليهم ما حييتِ.” لم تكن ترتجف من الموت، بل من فكرة أن يصبح الحلم مقبرة لأطفالها. كسر أصابعها حين حاولت الرحيل، مزّق مرفقها بصراخه، وأغلق دروب الرجوع إلى أهلها حتى جفّت الطرق المؤدية إليهم. في كل مرة، كان يسكب سائلًا أبيض في كأس العصير، ثم يثور لأي سبب، يلوّح بيده، وتتحول وجنتاها إلى مرآةٍ زرقاء للعنف.
مضت عشرون سنة، كأنها عشرون فصلًا من رواية لا تُقلب صفحتها إلا بالدمع. في لحظة غرور، قرر أن يتزوج بغيرها. لم تصرخ، وافقت في صمت يشبه سقوط ورقة أخيرة من شجرة أنهكها الخريف. لم يُكتب له النجاح، فعاد أكثر تسلطًا، حتى وقف الأبناء أمامه كجدارٍ لا يُخترق.
في تلك الليلة، حين انتحب أمامها ظانًا أن الموت يدنو، مدّت يدها إليه كما فعلت ألف مرة. طلب منها أن تسامحه، ووعدها إن كتب الله له الحياة أن يعوضها عن كل شيء. ولأنها أصيلة، صدقت وسامحت. لكن حين اشتد عوده من جديد، صفعها، كما لو أن الضعف دعوة مفتوحة للعنف.
ورغم النزف، مكثت غير بعيدة، تراقبه، تخشى عليه من غضب الشجر لا من عدل السماء. لم تكن حكايتها حبًا، بل حربًا طويلة خاضتها بوجهٍ مبتسم كي لا ينهار الصغار. وحين هدأت الأصوات، لم تسأل نفسها لماذا تأخرت كل هذه السنين، بل سألت: ما الذي جعلها تتمسك بظلٍ يحرقها؟ أهو حب؟ خوف؟ أم حفنة أولاد في زمنٍ لم يعد الزمن فيه يربي أحدًا؟
في تلك الليلة، كان القمر أكثر عدلًا من البشر، يراقب من بعيد زهرةً ما زالت مرفوعة الرأس رغم أن الشمس أحرقتها طويلًا.
—•—•—
زهرة تحترق،
شمس لا تطفئها،
تبتسم حياءً
—•—•—
" ندي عبدالله "