الثلاثاء، 23 سبتمبر 2025

شهادة تخرج بقلم الراقية كريمة احمد الأخضري

 قصة قصيرة بعنوان:

     "شهادة تخرج"


لا زلتُ أذكر ذلك اليوم الذي ساقني فيه القدر إلى بيتٍ صغير استأجرته عند السيدة سليمة. كانت امرأة خمسينية، أمًّا لستة أولاد وبنت وحيدة. زوجها، الذي ظل سنوات يلهث وراء لقمة العيش من عمل إلى آخر، ابتسمت له الأيام أخيرًا حين عُيّن موظفًا في مؤسسة سوناطراك.


كان يفصل بيننا باب ، يُبقي على شيء من الخصوصية، لكنه لا يحجب ضجيج وصخب أولادها الذي كان يتسرب إليّ كل صباح ومساء. ومع ذلك، لم يكن الأمر مزعجًا، فقد كنت أزور سليمة بين الحين والآخر، أجلس معها على فنجان قهوة، فتنفتح ذاكرتها على قصص حياتها قبل أن تغادر قريتها وتستقر في المدينة.


امرأة طيبة، بشوشة الوجه، يفيض قلبها حنانًا على أبنائها. لكنني كنت أرى فيها إفراطًا في تدليلهم، حتى قلت لها مرةً ممازحة:

ــ ألا تخشين أن يفسدهم هذا الدلال الزائد؟

فضحكت، وهزّت كتفيها قائلة:

ــ إنهم أولاد، كيف لا أدلّلهم؟!


أما ابنتها الوحيدة، سهى، فقد كانت تزورها في العطل. تزوجت صغيرة السن، وأمًّا لثلاثة أطفال وهي بعدُ لم تتجاوز الثانية و العشرين.


في أحد أيام عطلة الشتاء، سنحت لي فرصة الحديث معها على انفراد. سألتها عن دراستها، فخفضت رأسها، وقالت بصوت خافت:

ــ لم أكمل... توقفت في السنة الثانية ثانوي، قبل أن أنتقل إلى الثالثة.

لمعت عيناها بدموع حزن، فأشفقت عليها وسألتها:

ــ أيمكنني أن أعرف السبب؟

قالت بعد صمتٍ قصير:

ــ بسبب أخي أمجد.


حدّقت فيها بدهشة:

ــ كيف؟

تنهدت، وراحت تسرد:

ــ كنا نعيش في القرية، ولا توجد هناك ثانوية. كانت أقرب واحدة تبعد عشرين كيلومترًا، فنذهب جميعًا في الحافلة المدرسية. حين حصل أمجد على شهادة التعليم المتوسط، أبلغ أمي أنني إن بقيت في الثانوية، فسيتوقف عن الدراسة. قال إنه يخجل أن يراني أدرس معه في المكان نفسه، وكأنني وصمة عار!


سكتت، فانحدرت دموعها بغزارة، فقلتُ:

ــ ألم تحاول أمك الدفاع عنكِ؟ إقناعه بأن التعليم حقك؟

أجابت، وصوتها متهدج بالبكاء:

ــ لم تحاول... قبلت شرطه على الفور، ولم تلتفت إلى بكائي ولا انكساري. والأسوأ... أنها زوجتني في ذلك العام، ولم أبلغ الثامنة عشرة بعد.


خيّم الصمت بيننا، حتى شعرت أن جدران الغرفة قد حزنت لأجلها.


قالت وهي تمسح دموعها:

ــ لا أنكر أنني سعيدة مع زوجي وأولادي، لكن... هناك فراغ داخلي لا يملؤه شيء. كأن شيئًا ما بداخلي يهمس دائمًا: "أنتِ لستِ بخير". إنها الحسرة... لأنها ضيّعت فرصتي في مواصلة الدراسة، ولن تعود.


مددت يدي أُربّت على كتفها:

ــ عسى أن يكون الخير فيما اختاره الله. إنها الأقدار، ولسنا نملك إلا الرضا. أليس كذلك؟

ابتسمت ابتسامة باهتة، وقالت:

ــ الحمد لله على كل حال.


نهضتُ، وقبّلت جبينها:

ــ سيعوضكِ الله في أولادكِ، فاصبري، ولا تيأسي من رحمته.

همست:

ــ ونعم بالله.


غادرتُ، وخطواتي مثقلة بفكرة واحدة كانت تدور في رأسي:

كيف لأمّ أن تضحي بحق ابنتها في الحياة من أجل إرضاء ابنها؟


مرت سنوات عديدة، ووقعت حادثة مؤلمة أودت بحياة زوج السيدة سليمة، رحل تاركا لها إرثًا كبيرًا ومسؤولية جسيمة. 

في أحد الأيام، زارتني السيدة سليمة وأخبرتني أن ابنها أمجد يعتزم الزواج والانتقال إلى منزلي. طلبت منها مهلة لأجد مكانا بديلًا، وبالفعل استأجرت منزلًا جديدًا قريبًا من منزلها، وبقيت على اتصال دائم بها، أزورها بانتظام.


عندما سألتها عن خطيبة أمجد، أجابت بفرح غامر: " خطبت له فلانة ابنة فلانة، فتاة رائعة تدرس في الجامعة، وقد اتفقا على الزواج مع استمرارها في دراستها بعد الزواج." في تلك اللحظة، تذكرت سهى وتساءلت كيف ستكون مشاعرها عندما ترى زوجة أخيها، الذي رفض دراستها، وهي تذهب إلى الجامعة. شعرت بالظلم الذي تعرضت له سهى وتساءلت عن مستقبل علاقتها بأمجد.


في عطلة الشتاء، التقيت بسهى بالقرب من منزلي، فدعوتها لشرب القهوة معي. أثناء حديثنا، سألتني عن خطيبة أمجد، فأجبتها بأن والدتها أخبرتني عنها. سألتني عن رأيي في اختيار أمجد، فصمت احترامًا لمشاعرها. 

أضافت سهى بمرارة:

 _أمجد يتصرف بأنانية، يختار زوجة مثقفة بينما منعني من إكمال دراستي.أجبتها بصدق: 

نعم، لم أتوقع أن يختار فتاة تدرس في الجامعة، كنت أظنه ضد ذلك.

 قالت سهى بحزن:

 _لن أسامحه على تدمير مستقبلي، وأتمنى لو أن والدتي تفهم موقفي.


بعد ذلك، ساد صمت بيننا، وتساءلنا عن المستقبل وعن علاقة سهى بأخيها أمجد.


ذهبت سهى وفي قلبها حرقة لن يشفيها طول الزمان، ولن تستطيع اجتياز حسرتها، مادام وجود زوجة أخيها معهم سيذكرها بالظلم الذي تعرضت له.

و بعد فترة تمت مراسيم الزفاف، ومر العرس على أكمل وجه وكان حديث الخاص والعام.


بعد الزواج، كانت سهى تتابع أخبار أخيها وزوجته، وتشعر بالألم بسبب التناقض في تصرفات أمجد. فكانت زوجته تذهب إلى الجامعة كل يوم، بينما رفض أمجد أن تكمل هي دراستها. 

في أحد الأيام، قررت سهى أن تكمل دراستها عن طريق المراسلة، دون أن تخبر أهلها. شجعها زوجها على ذلك، وبالفعل تمكنت من اجتياز مرحلة الثانوية بنجاح و الحصول على شهادة البكالوريا.


عندما علم الجميع بنجاحها، تفاجؤوا جميعًا. حملت سهى شهادة البكالوريا ووضعتها بين يدي أخيها، وقالت له: _أنت حرمتني من إكمال دراستي، لكن الله عوضني خيرًا بزوج يدعمني. ثم قالت لأمها: 

_وأنت يا أمي، سامحك الله، لم تسانديني في حين كنت في أمس الحاجة إليك.


بعد ذلك، انتقلت سهى وزوجها إلى المدينة لتسهيل دراستها. ومرت سنوات الدراسة سريعًا، كانت فيها سهى متميزة في نتائجها. في يوم التخرج، دعت سهى الجميع، بما فيهم أمها وأخيها أمجد.


 عندما نودي باسمها لاستلام الشهادة، ألقت سهى كلمة قالت فيها: 

_أهدي شهادة تخرجي إلى كل من دعمني وشجعني في دراستي، وعلى رأسهم أخي العزيز الذي كان سببًا في وقوفي اليوم أرتدي قبعة التخرج. ونظرت إليه نظرة لم يفهمها أحد سواه.


في تلك اللحظة، شعر أمجد بالندم على ظلمه لأخته، فوقف وذهب إلى المنصة وقبل رأسها أمام الجميع، وقال: 

_شكرًا لأختي التي علمتني درسًا لن أنساه مدى حياتي.

ثم طلب منها السماح وتعانقا و الدموع تجري على خديهما.


فدوّت القاعة بتصفيق الحاضرين، بينما كانت شهادة سهى تلمع بين يديها كأنها شمسٌ بددت عتمة سنوات من القهر.


و كم كان إعجابي كبيرا بسهى وبقدرتها على التعامل بحكمة مع مشكلتها!

 امرأة حققت هدفها في الحياة وحافظت على أخوتها مع أمجد.


07/08/2025

شفاءالروح 

الجزائر 🇩🇿

نهر من دموع بقلم الراقي عبد المجيد المذاق

 نهر من دموع

 و نهر من دماء 

و على الضفتين

 يذبح الأبرياء 

وتكمم الأفواه

 لكي لا تصيح 

واااا رحمتاه 

استغاثة في

 أذن صماء

تاه السلم تاه

 على أيدي 

القتلة السفهاء

 تكبرا منهم

و عجرفة و رياء

تاه العدل 

 وتجبر الأقوياء 

ونفي العقل

 بنفي العلماء 

الحكماء الأجلاء 

يكفينا خوفا

 و خنوعا و غباء 

تاه عن ديارنا النور 

واستفحلت الظلماء

و تفشت الخيانة و البغاء 

إليكم يدي ممدودة

أنت أختي و أنت أخي 

لنعيد السلم

 و السلام و البناء 

لنزرع المحبة

 و الإخاء 

تزهو الحياة

 و يعم الرخاء

تجف الدموع 

و تحقن الدماء 

ويشع نور الضياء

ليحرق الكره و الجفاء

قلم/الشاعر عبد المجيد المذاق

خريف العمر بقلم الراقي ندى الجزائري

 خريف العمر


تتساقط أوراقي برفق،

كأنها حكايات أرهقها الانتظار،

لا ريح تقتلعني،

إنما جذوري التي شبعت من حمل المواسم.


أقف أمام مرآتي،

أرى امرأة أعادها الزمن إلى ذاته،

لوّن خطوط وجهها بحبرٍ خفي،

وزرع حول عينيها أنهاراً صامتة

لا تجري إلّا في الليل.


لم يعد الخريف عندي فصلاً عابراً،

بل وطنٌ يليق بي،

أمشي فيه على أوراقٍ ذابلة

كأنها رسائل كتبتها لنفسي،

ولم أجد لها صندوق بريد.


لكنني لا أنحني…

خريف العمر علّمني

أن أهبط برشاقة،

أن أبتسم لذبول الورود،

وأن أحبّ بعمقٍ أخفّ،

ثم أترك للذاكرة أن تنام

دون أن تقيد خطواتي.


ندى الجزائري

من مثلي بقلم الراقية سهام رمزي

 من مثلي


من مثلي يسهرُ حائراً مشتاقا

يرعى النجومَ و يلامسُ الآفاقا


يذكرُ ليالي العشقِ باسم ثغره

و الحبُ خلُ يداعبُ الأحداقا


و إذا ما بدا أملٌ بنورٍ هائمٍ

صاح ينادي و يزلزلُ الأوراقا


يا حرفُ يا ابن القصيدةِ دلني

أَ تصوغُ معنى لفرحتي منساقا


يكسو البلاغةَ ما يشاءُ تجملاً

إن مرضَ سجعٌ وجدته ترياقا


أو سكت سطرٌ من آلامٍ ساءه

مدّ الأيادي هيناً يرغبُ إنطاقا


يا أيها الطيفُ المقيمُ تحيةً

أخبره أني أودُ منه عناقا


كمثل الليلِ يحضنُ نجومه

كمثل الخيالِ لشِعره تواقا


إن داعب الشطآن حائر مدها

عودٌ لها لا تستطيعُ وفاقا


أنى التصالحُ و الحنينُ يشدها

و البحرُ يرجو من موجه إشفاقا


يا أيها البحرُ المشابهُ خاطري

عانى الفؤادُ من شوقهِ إرهاقا


أين جسوركَ و الزوارقُ دلني

تحيي العهودَ و تجددُ الميثاقا


إن شئتَ حرباً فالآلامُ ذخيرتي

سهرت ليالي تمزقُ الأعماقا


تلك المحابر قد جنّدت سيولها

تغرقُ حروفي إن لوحت بفراقا


يا ابن قلبي قد قادتني مشاعري

نحو غرامكَ لا تبتعد إطلاقا

#بقلمي

سهام رمزي

أنت عنوان قصيدتي بقلم الراقي عبد الله سعدي

 أنتَ عنوانُ قصيدتي،

وكلُّ ما كتبتُ قبلك

كان مجرّد حبرٍ يتيمٍ

يبحث عن ملامحك في البياض.

وحين جئتَ…

أزهرتِ الصفحاتُ حدائقَ نور،

وامتلأ الصمتُ بنشيدٍ

لا يعرفه إلا قلبك.

أنتَ عنوانُ قصيدتي،

وكلُّ بيتٍ من شعري

يُسافر نحوك،

كما تسافر الطيورُ نحو شمسها،

وكما تعودُ الأنهارُ إلى البحر.

فلا قصيدةَ بعدك تُولد،

ولا سطرَ من دونك يكتمل،

فأنت البدايةُ والغاية،

وأنتَ الحلمُ الذي يكتبني

قبل أن أكتبه.

توقيع: عبد الله سعدي ✒️

احتضنت الفقد بقلم الراقية سماح عبد الغني

 احتضنت الفقد 


بقلم الصحفية/ سماح عبدالغنى 


حين احتضنت الفقد ،  

لم يكن ذلك خيارا إراديا ،

 ولا بيد من فقدناه ذهب .  

كان خيارا إلهيا لم يتدخل فينا أحد 

لأن الأب الذي غادر، لم يغادر لأنه أراد 

ترك لنا فراغًا فى قلوبنا وليس لنا قرار

كسر الحماية السند من كان صوت الدار 

تركنا كبار السن لكن دونه أصبحنا صغار 


وأمام كلمة الله ليس لنا استفسار 

لا نملك إلا الإيمان بالقدر وندعو للقادر الجبار 

أن يهون علينا البعد الذي ليس اختيار 

تركني أبي أواجه العالم بعده بدليل لا ينسى

علمني كيف تكون اللغة والاحترام نبضا 

علمنى أن أكون واضحة وضوح الشمس 


الفقد لم يكن وجعا يسكن وجدانى فقط 

بل كان ألما يقتص من قلبى

كانت صوتًا داخليًا يقول لي:  


أبي علّمني أن الغياب أعاده حضور 

وأن الحضور فى الروح وأن كان الغائب بعيد 

وأن بعد الفناء سعادة 

حين تلتقى بالأحبة فى النهاية 

وأن بعيد العين أقرب إلى القلب 

أبي تركني وملامحه لم تفارقنى يوماً 

ابحث عنه في كل رجل يشبهه،  


أبي كان أول معلم 

 في حياتي درسني دروس الحياة 

كان أول درس في حياتي هو النجاة. 

 من المهالك ومن المصاعب

علمني أن بعد الوقوع في الصمود قوة 

علمني أن أقف من جديد بصبر وقوة أكبر 

علمني أن الحلم مباح 

أن لا أتخلى عن تحقيق حلمي

علمني معنى الرحمه والمغفره والمودة 

علمني أن الوفاء بالعهد حق 

علمني معنى الكرامة وعزة النفس 

علمني أن الطيبة لا يمكن تكو سذاجة 

علمني كيف تكون معنى الصداقه 

وكيف أحب و أحافظ على الكرامه 

علمني الأصول والتربية 

علمني كيف أتبع أصول السنة والفقه والدين 

علمني كيف أحب رسولي وأكون على قدر المسؤولية 

علمني أن أحترم الصغير قبل الصغير 

علمني كيف أكتب وأرد دون كلمة 

 تجرح مشاعر أو تؤذي قلبا 

علمني كيف أجبر الخواطر وأكون سندا 

علمني أبى كل شيئ 

 لكن لم يعلمني كيف أعيش الفقد

مسافات عاطفية بقلم الراقي سليمان نزال

 مسافات عاطفية


جاء َ الكلامُ لصوتها فتناغمتْ

همساتها و ترنمتْ نظراتها

و تبسّمتْ خلف َ الجراح ِ قصيدة ٌ  

عانقتها فتسارعتْ نبضاتها

و تعرَقتْ أطيافها و شجونها

  فنسيتني و كأنني بحياتها

كتبَ الخصامُ رسالة ً لزهورها

صالحتها و عتابها زفراتها

قد أسهبتْ فحديثنا لنجومنا

 لقضية ٍ بدمائنا خفقاتها

لمخيم ٍ لمدينة ٍ لحُماتها

لبهية ٍ في خيمة ٍ صرخاتها

    صدقَ النزيف ُ بغزتي و خرابها

و تكاذبتْ أحوالنا و لغاتها

 ماذا تضيف ُ نعامة ٌ لشريدة ٍ

في هجرة ٍ قد حطّموا خطواتها ؟

سأقولُ أن خطابة ً من عاجزٍ

مشلولة بمدادها عثراتها

        قطع َ اللقاءُ مسافة ً لحبيبة ٍ

  فتحسّستْ أشواقها وثباتها

أدخلتني بضلوعها و سطورها

شبّهتها فتجانست ْ لمساتها

قد أقسمتْ أن الغمام َ لعودة ٍ

و لقد أتى فتفاءلتْ غمراتها

  لا تبعدي فعروقنا تغتابنا

فتمرّدي لأعيدها لصفاتها

بطش َ الغزاة ُ توحّدي رشقاتنا

إن الفناء َ لعصبة ٍ و طغاتها

و حروفنا يا حلوتي رحلاتها

بوصولها و أصولها نبراتها


سليمان نزال

الاثنين، 22 سبتمبر 2025

أحلام معلقة بقلم الراقي جاسم محمد شامار

 (أحلام معلّقة)

في هدنةِ المساء

كانت العشيّات حزينة هناك..

تلالٌ معتمة صامتة جرداء..

ونجومٌ باردة في السماء..

تضيق الصدور

نتنهّد صبراً واشتيّاقاً..

وعيونٌ تحلم بالحبيبات

الرقّة والأنوثة ودفء البيوت..

وصدى أغنيّات العشّاق..

ثمالة العشق والموت

على خطّ النار..

كان الجند هناك 

يحلمون مثلنا

خلف التلال..

دويّ المدافع

يكسِر الصمت

وأزيز الرصاص..

يبدد الخيال

نغادر الحلم

تنتهي الهدنة

ونعاود القتال..

في أرضٍ عقيمة

لا تنبت زرعاً ولا أشجاراً..

سوى أمنيّة واحدة بالنجاة..

وأحلام معلّقة 

على خطّ النار..

   

  د. جاسم محمد شامار العراق

عبر الهاتف الجوال بقلم الراقي أحمد عبد المالك احمد

 عبر الهاتف الجوال


عبر الهاتف الجوال تُحادثني،

فتنساب كلماتك ندىً على روحي،

وتتسلل أنفاسك بين نبضي،

حتى يغدو الكون كلّه يتنفّس حضورك.


أرى عينيك في حروفك،

وفي الهمسات المخبّأة بين السطور،

فتغدو المسافات وهمًا،

ويغدو الليل أقصر من نبضة قلبك.


أسمع ضحكتك،

فتتفتح في صدري زهور لم أعرفها،

وتصير اللحظة أبدية،

تجري في عروقي كالحياة،

حتى الهواء يكتب اسمك قبل أن يصل إليّ.


تصبح الكلمات جسرًا بين عالمينا،

ويتحول الصمت إلى موسيقى،

وتغدو وقفة الحرف مغامرة

يعجز عنها الزمن،

فتلتقي القلوب قبل أن تلتقي العيون.


أراك قبل أن أراك،

وأشمك في نسمةٍ عابرة،

وألمس حضورك قبل أن ألمس أي شيء.

يصبح الحب عاصفة لا تهدأ،

تجتاحني بلا إذن، ولا تنقضي.


عبر الهاتف الجوال تُناديني،

فتصير أيامي كتابًا مفتوحًا على اسمك،

وتظل روحي أسيرةً لكل همسة،

حتى إذا غابت الأصوات،

ظل صدى حبك يهمس في قلبي وحده.


بقلم د احمد عبدالمالك احمد

حبل الغسيل بقلم الراقي طاهر عرابي

"حبل الغسيل"


في عالمٍ مزدحمٍ بالصخب واللامبالاة، قد يبدو حبلُ الغسيل تفصيلًا هامشيًا في حياةٍ عابرة.

لكنني، كما أؤمن دومًا، تحت وطأة الأشياء الصغيرة تُقال أعظم الحقائق.

في هذه القصيدة، حاولت أن أمنح الحياةَ لصمت الأشياء، أن أخلق مشهدًا يفيض بالمشاعر والرموز،

وأستخرج من اليوميّ درسًا عن الوفاء، والألم، والأمل.

نظنّ أنّ الأشياء من حولنا صامتة، والحقيقة أنّنا نحن من نُخرسها دون أدنى رأفة.



حبل الغسيل

قصيدة سرديّة للشاعر والمهندس طاهر عرابي

دريسدن – 12.09.2024 | نُقّحت 23.09.2025


1


حبلُ الغسيل يتألّم،

بلسانٍ مجدولٍ على خيوطه،

يتلعثم بلغةٍ لم يُصغِ إليها أحد.

علّقوا عليه ملابسَهم تقطر ماءً،

تفوح برائحة الصابون المعطَّر،

وانتظروا الشمس.


أيُّ شمس؟

والمساء هبط، والليل طويل.


قال الحبل ساخرًا من بلاهة البشر،

وأقام صلاته متدلّيًا بين شجرتين،

كأنّه ثمرة أنضجها الوجود

ليجادل بها عبثه.


ناجى الغيم أن يرحل إلى دياره،

لعلّه يلقى أسدًا يزأر عطشًا،

فيسقيه بدل الملابس الخرساء.

الشفقة لا تتردّد في الدخول إلى عالم

غابت عنه العيون.


2


استأنس بضياء النجوم،

وتمنّى أن تهبّ الريح قبل الفجر…

فالريح لا تعبأ بالشمس،

ولا يعنيها ماء الملابس،

إنما تُحوِّل القطرات إلى قطنٍ شفاف،

وتحملها إلى الغيوم.


ضاج الحبل مقهورًا قبل الصباح.

الهواء رطب، والسماء مثقلة،

والحِمل يزداد،

لا جفاف يُرتجى، وكلّ شيء يرزح في عبث الحيرة.


حتى الشجرتان همستا:

«إلى أين يشدّنا هذا الحبل؟

أرهقه السكون،

ونحن لا نعلم

كم من شقاءٍ يجوب الكون يمتحن الصمود،

ويبقى متخفيًا في أصداف القلق.»


همس لنفسه:

لا جدوى من البحث عن الشمس،

فالشرق مغطّى بسُحبٍ رمادية،

والسماء ترزح تحت غيظ الطيور،

وهي تبحث عن فندقٍ كثيف الورق.


الكلّ ينأى عن الوداد،

وتتشتّت الأشياء إن فقدت خيطها الحنون.


بكى الحبل، حبس أنفاسه،

وشعر أنّ صلاته لم تبلغ حلمه.

أيُّ صلاةٍ تبلغ مُلبّيها

والمخلوقات كلّها تتزاحم تحت غطاء الوحدة؟


3


مدَّ الحبل وجهه من بين طيّات الغسيل.

شيء ما يحدث في السماء:

مصباح نجم تعطّل، وانطفأ نورُه عن جيرانه،

فقالوا: «لن يكون لنا فرح.»


قُبَّتُنا عَوراء، والبكاء وقودٌ لا يُضيء.

تَعالوا نقتربْ منها، فالقُربُ ضوءٌ

يُغطّي ثغرات البقاء.


وقال القمر:

«دعوني أحفظ مواقعكم في السماء،

فالفراغ متَّهَم، بليد، أخشى أن نُحاسَب على نسيان الولاء.»


امتلأ الحبل بالضيق.

كيف يرتقون ثقبًا

وأنا أتذلّل دون مشاعر الغسيل؟


أفرغ غضبه في الغسيل:

«بالنسبة لكم،

لا يهمّ أن تناشدوا شيئًا.

لا شمس تعيد لألوانكم بريقها،

ولا مطر يمنحكم وقتًا لتبقوا معلّقين.

لكن أذكّركم:

إن هبّت الرياح سترحلون،

وتُلقَون في أماكن لا أعلم كيف تكون.

صلّوا معي للشمس… أرجوكم.»


سمع الحبل ضحكات قوية،

وأدرك أنّ الغسيل يهزأ منه.


قال بغضب:

«ماذا لو تألّمنا معًا؟

أليس لي أن أتألّم معكم؟

أنا دونكم أبقى،

لي شجرتان تحتملان سخائي.

أمّا أنتم، لو تعلمون حقيقتكم،

ستصبحون خِرَقًا بالية.


الخيانة تبدأ حيث يموت الاكتراث.

تضحكون… وهذا أعنف جوابٍ للرجاء.

إن سقطتم وتدنّستم بالأوساخ،

تعودون إلى الوعاء؛

تُغرقون بالماء والصابون،

وتُعلَّقون من جديد بلا أملٍ في غير طريقي.

يا حسرةً على من يعادي البقاء!»


همس فستان صغير:

«لو علمتم ما في داخلي لبقيتم صامتين.

سأصلّي، لكني لا أستطيع البقاء طويلًا.

كم أنا محبوبة لدى عنود الصغيرة!

سمعتُها تعدّني للمدرسة،

واثقة أني سأجفّ.

أرجوكم… ساعدوني؛

إنني مُلزَم بالوفاء.»


4


كان زوج حمامٍ يستمتع بالحوار.

كيف يخيبون رجاء الحبل وهم معلَّقون على كتفه؟

إن كان للوقاحة تعريف، فهو إنكار الغسيل لفضل الحبل.


طارا نحو الفستان،

حرّكا الهواء من حوله حتى جفّ،

ثم حملاه إلى الفتاة الغافية،

وألقياه برفق على صدرها،

وعادا ليُخبرا الجميع أن للصباح بشرى.


اهتزّ الحبل برقصة الملابس،

فقال الحمام:

«السعادة تكمن في إبقاء السعادة.

السعادة تُصنَع…

ولا تُنبت تحت غطاءٍ مخنوق.»


5


كانوا قبلنا يبحثون عن اكتمال البهجة فينا،

وجئنا على ترانيم الوداع،

فقبلناها، ومضينا لنسلّم الوديعة.


لم نتعلّم شيئًا أقوى من يقيننا بأننا ماضون،

وأنّ علينا أن نرى أجمل الطرق في هذا الأفق المشحون بالمفاجآت،

وبرغبة الحياة في أن نبقى على الحب…


سهرتُ ليلي ورأيتُ نجمًا ينطفئ،

لكنّه باقٍ تضيئه النجوم.

لولا الحمام، ما ابتسمت لنا عنود،

إنّه الإدراك… يكفي حُلمًا نحبّه باليقظة.


طاهر عرابي – دريسدن

فلسطين بقلم الراقي عبد الرحيم العسال

 فلسطين

=======

فلسطين ليست لبيع هنا

فلسطين ليست لبيع هناك

فلسطين هذي لنا كلنا

فلسطين حتما سيأتي مناك


فلسطين أنت المنى للعرب

فلسطين أنت المنى والأرب

فلسطين فجرك ها قد دنا

فلسطين فجرك ها قد قرب


فلسطين هيا ألا فانهضي

وقومي لمجد له فاركضي

ومهما ينال ومنك الأعادي 

سيأتي إليك العدا في غد

فشدي الوثاق له واشددي

وكيدي كما كاد لي المعتدي


فلسطين لا تسمعي للهراء

لغير الإله فلا تسجدي

ورصي الصفوف وهيا بنا

لنهج رسول به نقتدي 


(عبدالرحيم العسال مصر سوهاج أخميم)

لاجئ في وطن عينيك بقلم الراقية أمل بومعرافي خيرة

 لاجئ في وطن عينيك:


بين حروفكِ

تذوب المسافات،

فتنبت في قلبي المشتاق

زهرةٌ من نور.


على همس كلماتكِ

أغفو،

فأحلم بعينيكِ وطنًا

يسكنه الاستقرار.


وحين يمرّ طيفكِ،

ترتجف الحروف شوقًا،

ويخضرّ الحنين

في حديقة قلبي.


أعيد ترتيب القصيدة،

وأكتُبكِ...

كما يكتب المطرُ أنغامه

على زجاج النوافذ،

وكما تعزف الريح لحنها

على ضفاف الأوراق.


وفي حضوركِ،

أُشعل قناديل الشعر،

فتتراقص الحروف

على ألحان العشاق.


فتعالي...

على هيئةِ قمر،

يبدد بعينيه

 عتمتي.

وفي محراب عينيكِ،

أنصبُ لي خيمة،

وأغفو بين جفونكِ،

فأنا لاجئٌ

في وطنكِ الأبدي.

....... 

الملكة امل بومعرافي خيرة

دمعة في عيون الأيام بقلم الراقي سعيد العكيشي

 دمعة في عيون الأيام

__________________

في الفراغ 

لا شيء… 

سوى أنفاس ليل شاحبة

تتسرب من عطر غيابك

تمتطي صهوة عشق

ويرتجف في دمي،


 أظل أشهق غبار الذكريات

من شذى الأماني العائدة

من معارك الحنين،

وأزفر وجع الغياب

في بيادر الانتظار،


في الفراغ 

ألعن حظّاً رسمني،

دمعةً في عيون الأيام…

نقطة سوداء؛

على أطلس الغياب،


في الفراغ، 

أمشط صحراء وحدتي

بأقدام الكآبة

وأرمي جمر آهاتي

صوب الأفق البعيد،

حيث الأحلام عالقة هناك

بمعجزة من معجزات لا تأتي

وأنا…

 هنا، في الفراغ 

…روحٌ في كتلة رماد

على سفينة من سراب

تمخر بحر غيابك بمجاذيف

من ألم،


أحياناً،

أنزلق في تعاريج النسيان

فلا أجد إلا ظلال ذكرياتكِ

حيث يجتمع صدى الحنين

وسهوب الصمت،

فتخرج التنهدات 

من حنجرة الوجع


في الفراغ

أجمع شتات ملامحك

من صدى أغنية تمردت عن زمانها، 

أسمع رقصة قبلة نسيت طريقة

سقوطها،

أحاور لحظة سرقت ضحكتك

ودستها في قلبي واختفت،


في الفراغ

أركض حلف طيفك

كطفل يركض خلف طائرة ورقية،

لا أنا وجدتك

ولا الطفل لامس السحاب،

ليتني كنت أغنية

تقرع أبواب ذاكرتكِ

 الموصودة باللامبالاة.


    سعيد العكيشي /اليمن