الأحد، 1 نوفمبر 2026

الشمس تشرق من عيني بقلم الراقي أيمن حسن محمد

 الشمس تشرق من عيني 

بقلم: أيمن حسن محمد


كان إلياس يتأمل عيني كاترين، مملكته التي طالما ضاعت ذاته في تفاصيلها. كان ينظر إلى غروب الشمس، ثم يعود ببصره إلى وجهها، كأنه يريد أن ينقش صورتها في أعمق مكان من روحه، ويحفظ منها ما لا تستطيع الأيام محوه. كان يرى في الصليب المعلّق على صدرها، وابتسامتها الهادئة، وشفتَيها بلونهما القرمزي، تفاصيل صغيرة تختصر في عينيه جمال العالم كله.


لم يكن يدري كيف يستطيع أن يغادر هذا المكان، وكيف ستبدو الحياة من دونها؛ من دون عينيها اللتين طالما أحب التأمل فيهما، ومن دون حضورها الذي كان يملأ صمته بأشياء لا يعرف كيف يعبّر عنها.


قبل قليل، أخبرته كاترين أن حبيبها سيأتي ليتقدّم لخطبتها، وأنها لن تستطيع لقاءه بعد اليوم. قالت ذلك بهدوء، من دون أن تدرك أن كلماتها كانت تسقط في أعماقه كالحجارة في بئر لا قرار لها.


لم تكن قد خانته، ولم تكن قد وعدته بحب لم تمنحه إياه؛ كانت تحب رجلًا آخر، وتمضي في حياتها كما يحق لها أن تفعل. أما إلياس، فقد أحبها في صمت، وترك الكلمات حبيسة صدره، حتى جاء اليوم الذي اكتشف فيه أن الصمت قد يغلق أبوابًا لن يستطيع فتحها من جديد.


ظل يحدّث نفسه: كيف استطاعت أن تقول وداعًا بهذه البساطة؟ ألم تشعر بي؟ ألم تلمح في عينيّ ما عجز لساني عن قوله؟ لماذا لم أصرّح لها بحبي؟ ولماذا انتظرت حتى أصبحت كلماتي بلا جدوى؟


كانت الأسئلة تتكاثر في رأسه، لكنه لم يجد جوابًا يخفف عنه وطأة الندم.


ظل جالسًا يراقب الشمس وهي تغيب، وشعر بأن شيئًا من روحه يغيب معها. مرّت الساعات، وكان يلتفت بين الحين والآخر، كأنه ينتظر أن تعود كاترين لتقول إن ما حدث لم يكن سوى سوء فهم عابر. لكن المكان ظل خاليًا، ولم يبقَ أمامه سوى الغروب والفراغ الذي تركته خلفها.


عاد إلى منزله، وفتح الكتاب المقدس الذي اعتاد أن يجد في كلماته عزاءً لروحه. قرأ بعض الآيات، وحاول أن يستعيد سكينته بالصلاة، لكن أفكاره كانت تعيده إلى وجه كاترين كلما حاول أن يهرب منه. حتى التراتيل التي أحبها طويلًا بدت له في تلك الليلة كأنها تردّد صدى خسارته.


لم يستطع النوم. ظل يتقلّب في فراشه، ويقنع نفسه بأن ما حدث لا بد أن يكون حلمًا، وأنه سيستيقظ في الصباح ليجد العالم كما كان.


لكن الصباح جاء، ولم يتغير شيء.


مرّت ثلاثة أيام لم يأكل فيها إلا القليل. ابتعد عن أصدقائه وأهله، وأغلق أبواب المنزل على نفسه، كأنه يريد أن يقطع آخر خيط يربطه بالعالم. أخذ يغتسل مرارًا، ثم مزّق ملاءة سريره البيضاء وصنع منها ثوبًا، وراح يردّد الآيات والترانيم بصوت مرتفع، حتى تحوّل عزاؤه الروحي إلى صرخات تتردد بين جدران المنزل.


كان يتحدث عن الفقراء، وعن الذين نسوا أباهم الذي في السماء، وعن الكبرياء والملذات، وينذر الناس بقرب ساعة الحساب. ثم أعلن أنه بدأ رحلة «الجهاد الروحي»، وخرج إلى الشوارع يبشّر، كأنه يحمل إلى الناس رسالة لا يستطيع تأجيلها.


وفي أحد الشوارع، لمح امرأة تركض مذعورة وهي تحمل طفلها المريض، والدموع تنهمر على وجهها. توقّف أمامها، ورفع صوته مردّدًا كلمات الإنجيل:


«يا بنات أورشليم، لا تبكين عليّ، بل ابكين على أنفسكنّ وعلى أولادكنّ».


ثم مضى في طريقه بخطوات مترنّحة، كأنه يسير في درب الجلجلة، حتى خانه جسده، فسقط على الأرض.


وحين أفاق، وجد نفسه خلف أبواب مغلقة، في غرفة باهتة الإضاءة، وقد قُيّدت يداه وقدماه حفاظًا على سلامته. كانت أكياس الدواء تتدلّى من الحامل إلى جواره، وكان وجهه قد شحب ونحل من قلة الطعام واضطراب النوم.


رفض الطعام، وصرخ وهدّد، وأطلق وعودًا لله، ثم هدأ بعد أن أُعطي دواءً مهدّئًا. وكلما اقترب منه أحد، ارتجف ورفع صوته بالترانيم والآيات، كأنه يحتمي بها من عاصفة لا يعرف كيف يوقفها.


كانت مريم، الممرضة التي تولّت رعايته في نوبتها الليلية، تراقبه بصمت. لم تكن ترى أمامها مجرد رجل مضطرب، بل إنسانًا أنهكه ألم لا يستطيع التعبير عنه. كانت تعرف أن الكلمات وحدها لا تكفي لتهدئة روحه، فاختارت أن تمنحه ما استطاعت من الهدوء والرعاية.


في الأيام الأولى من إقامته في المستشفى، كان يراها طيفًا عابرًا يدخل الغرفة ويغادرها. كانت تضع الدواء إلى جواره، وتراقب حالته، ثم تجلس أحيانًا على حافة السرير وتنصت إليه وهو يقرأ آيات من الكتاب المقدس. لم تكن تقاطعه، بل تتركه يتحدث حتى ينتهي، وتهزّ رأسها برفق، كأنها تقول له إنها تسمعه، حتى حين تعجز عن فهم كل ما يدور في داخله.


ومع توالي الأسابيع، بدأت العاصفة تخمد شيئًا فشيئًا. انتظمت حالته تحت الرعاية الطبية، وخفّت حدة صوته، وصار قادرًا على الجلوس طويلًا من دون أن يطارده اضطرابه كما كان يفعل من قبل.


كانت مريم تسرع إليه كلما عاودته نوبة من القلق، وتساعده على تناول الدواء وفق تعليمات الأطباء، وتمسح العرق عن وجهه إذا اشتد عليه التعب. وحين كانت تمسك بيده لتهدئه، كان يشعر بأن أمواج صدره المتلاطمة بدأت تستقر، كما تستريح أمواج البحر على رمال الشاطئ بعد عاصفة طويلة.


لم يكن يدرك في البداية أن وجودها صار يخفف عنه أكثر مما يتوقع، ولم تكن هي تعرف متى تجاوز اهتمامها به حدود واجبها المهني، ومتى بدأ قلبها يتعلّق بذلك الرجل الذي كان الألم يختبئ خلف عينيه.


كانت تنظر في عينيه طويلًا، لا بحثًا عن صورة المريض الذي ترعاه، بل عن الإنسان الذي ظل حاضرًا خلف اضطرابه. كانت تسمعه حين يتحدث عن إيمانه، وتلمح في كلماته شغفًا عميقًا بالمعنى، حتى عندما يختلط عليه التعبير عن ذلك الشغف. وأحيانًا، حين يهدأ ويصمت، كانت ترى في ملامحه حزنًا رقيقًا لا يشبه الغضب الذي كان يسيطر عليه في نوباته.


شيئًا فشيئًا، لم تعد مريم تنتظر انتهاء نوبتها لتغادر الغرفة؛ صار يهمها أن تراه أكثر هدوءًا، وأن تستعيد عيناه صفاءهما. كانت تدعو الله في سرّها أن يمنحها قلبًا قادرًا على الحب بعمق القلب الذي رأته فيه، وأن يحفظ له ما بقي من روحه، حتى يعود إلى الحياة التي كاد يفقد صلته بها.


أما إلياس، فقد بدأ يترقّب حضورها من دون أن يعترف لنفسه بذلك. صار يميّز وقع خطواتها في الممر، ويأنس بصوتها الهادئ وسط الضجيج ورائحة المعقّمات. وحين تدخل الغرفة، كان يشعر بأن شيئًا من السكينة قد دخل معها.


لم تكن مريم تمحو كاترين من ذاكرته، ولم تكن تحاول أن تأخذ مكانها. كانت تمنحه فرصة ليخرج من أسر تلك الذكرى، وأن يفهم أن فقدان امرأة أحبها لا يعني أن الحياة قد أغلقت أبوابها كلها.


ومع تحسّن حالته، بدأ إلياس يستعيد اهتمامه بما حوله. صار يسأل مريم عن يومها، ويصغي إلى إجاباتها، ويتحدث معها عن أشياء تتجاوز ألمه وذكرياته. وللمرة الأولى منذ أيام طويلة، لم يعد كل حديثه يدور حول كاترين أو حول ما فقده. أخذ يكتشف أن أمامه إنسانة لها عالمها الخاص، وأفراحها وأحزانها، وأنه يستطيع أن يصغي إليها كما أصغت إليه.


وهكذا، من دون وعود كبيرة أو اعترافات متعجلة، نشأ بينهما قرب هادئ. كان كل منهما يكتشف الآخر على مهل، حتى غدت مريم بالنسبة إلى إلياس الجسر الذي يعبر به من ظلمات الصدمة إلى نور الحياة.


وفي مساءٍ، دخلت مريم غرفته تحمل ملف خروجه من المستشفى. كانت تعرف أن هذه قد تكون آخر مرة تراه فيها، وأن الأيام التي جمعتهما خلف تلك الأبواب الموصدة توشك أن تنتهي.


حاولت أن تبدو هادئة، لكنها لم تستطع إخفاء الحزن في عينيها. لم تكن تريد وداعًا أخيرًا، ولم تكن ترغب في أن تحفظ ذاكرتها صورته وهو يغادر، ثم يمضي كل منهما في طريق لا تعرف إن كان سيجمعهما مرة أخرى.


كادت دمعة أن تسقط من عينيها حين سمعت صوته خلفها.


قال إلياس:


— أجئتِ لتودّعيني؟


خفضت عينيها، فانحدرت دمعة وسقطت على أرض الغرفة.


اقترب منها وقال برفق:


— أرجوكِ، لا تبكي. أنا لا أحب أن يتألم أحد بسببي. غدًا سنشرب القهوة معًا.


رفعت عينيها إليه، كأنها تريد أن تتأكد من أنه يعني ما يقول.


ابتسم وقال:


— اتفقنا؟


أجابته:


— اتفقنا.


ثم أضاف:


— عند الغروب.


في اليوم التالي، وعندما بدأت الشمس تميل نحو المغيب، اصطحب إلياس مريم إلى المكان نفسه الذي التقى فيه كاترين للمرة الأخيرة.


توقّف في الموضع الذي جلس فيه طويلًا يوم رحيلها، وتأمل المكان بصمت. عادت إليه ذكرى ذلك المساء، وعاد معها شيء من الألم القديم، لكنه لم يعد ذلك الرجل الذي كان يرى في الغروب نهاية العالم.


التفت إلى مريم وقال:


— توقّفي هنا.


توقّفت إلى جواره، ونظرت إليه مستغربة.


قال:


— هنا كان لقائي الأخير بكاترين.


صمت قليلًا، ثم تابع:


— يومها جلست ساعات أنتظر عودتها، مع أنني كنت أعرف أنها لن تعود. كنت ألوم نفسي لأنني لم أقل لها إنني أحبها، وظللت أظن أن صمتي قد أضاع مني الحياة كلها.


نظر إلى الشمس، ثم عاد ببصره إلى مريم.


— لكنني فهمت الآن أنني لا أستطيع تغيير ما حدث، وأن ما فات لا ينبغي أن يمنعني من رؤية ما بقي لي من الحياة.


لم تجبه، لكنها شعرت بأن كلماته تحمل شيئًا من الحزن، وشيئًا آخر يشبه السلام.


جثا إلياس على ركبته، وأخرج من جيبه علبة صغيرة. فتحها، وظهر فيها خاتم يلمع تحت ضوء الشمس الآفلة.


رفع عينيه إليها، وقال:


— اجعليني كخاتم على قلبك، وكخاتم على ساعدك؛ لأن المحبة قوية كالموت، والغيرة قاسية كالهاوية، لهيبها لهيب نار لظى الرب.


ثم سألها، وقد امتلأت عيناه بالرجاء:


— هل تقبلين الزواج بي؟


ابتسمت مريم، ونظرت إلى الشمس وهي تغيب خلف الأفق.


قالت:


— الشمس تغرب يا إلياس.


رفع رأسه، وتأمل عينيها اللتين انعكس فيهما ضوء الغروب، ثم ابتسم وقال:


— بل الشمس تشرق من عيني مريم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .

الوقوف على ضفة العجز بقلم الراقية راضية الطرابلسي

 الوقوف على ضفة العجز اسئله كثيره تدور برأسي وأنا أتهيأ لزياره أختي حبيبه القلب وشقيقه الروح بعد أن أصابتها جلطه دماغيه ،،، هل يا ترى ستعرفن...