أنا ابنُ دمشقَ في ألفِ زمنٍ
أحمد سعود عوض
أنا ابنُ دمشقَ في ألفِ زمنٍ،
خرجتُ من رحمِ الغمامِ،
حينَ كانَ الإلهُ "حَدَدْ"
يجلو وجهَ السّماءِ بسوطِ الرّعد،
وتمطرُ الغيومُ كأنّها دموعُ العابدين.
قالتْ جدّتي: وُلدتَ في شهرِ "ناتشو"،
حينَ كانَ القمرُ يبتسمُ فوقَ المعبد،
وسمّتني الدايةُ "دامسينا"،
لأنّي كنتُ في المهدِ قمرًا.
ثمَّ نسيتُ من أكونُ،
ضاعَ اسمي بينَ الحروفِ الآراميّةِ القديمة،
وتسلّقتُ أزقّةَ الطفولةِ أبحثُ عن ظلّي
في رائحةِ البنِّ والهيل.
في النوفرة،
كانَ أبو غسّان يُعانقُ عودَهُ ويبتسمُ للعابرين،
وكنتُ أسمعُ الزغاريدَ من حيٍّ
وُلِدتُ فيهِ قبلَ ألفِ عام،
حينَ كانتِ الأبراجُ تُغطّيها نُدفةُ ثلجٍ
تهبطُ من عيونِ دمشقَ الآراميّة.
ثمّ صرتُ رومانيًّا،
أصمّمُ للمدنِ أبراجَها
كما تُصمّمُ دمشقُ حلمَها.
كنتُ "أبولودور" الدمشقيّ،
أنقلُ مجدَ حجارتِها إلى روما،
وأبكي حينَ أرى الأعمدةَ واقفةً كالأمهاتِ
على أبوابِ الذاكرة.
قالتْ لي سائحةٌ عندَ معبدِ "جوبيتر":
من تكونُ بعدَ ألفِ عام؟
قلتُ:
أنا دمشقيٌّ من طينِ الزمان،
في وريدي تجري مياهُ بردى،
وتصهلُ خيولُ النبوّةِ
من مآذنِ الأمويِّ الكبير.
في الزواريبِ التي تفوحُ قهوةً وذكريات،
تنامُ وجوهُ نزارٍ وكوليت،
ويحرسُ الليلُ قصيدةً تُغنّي وحدها،
وتتدلّى من شرفاتِها
قصائدُ لا تموت.
أمشي على حجارةٍ تُصلّي،
وأسمعُ الأذانَ يتردّدُ في سبعِ مقاماتٍ،
كأنّ كلَّ يومٍ مقامٌ من روحِ دمشق.
وتُغنّي المدينةُ سبعةَ أنغامٍ، هي:
السبتُ صبا،
الأحدُ بيات،
الاثنينُ نوى،
الثلاثاءُ سيكا،
الأربعاءُ عراقي،
الخميسُ حجاز،
والجمعةُ رست،
وفي الفجرِ مؤذّنٌ واحدٌ فقط
يوقظُ المدينةَ
كما يُوقظُ اللهُ قلبَ نائمٍ.
أنا، الذي كانَ آراميًّا،
ثمَّ رومانيًّا،
ثمَّ بيزنطيًّا،
ثمَّ مسلمًا يصلّي في رحابِ بني أميّة،
أضعُ جبيني على الأرضِ،
وأسمعُ تحتَ ترابِ السنينَ
أنينَ الأجراسِ القديمة.
يا دمشق،
يا مرآةَ الخلود،
يا لحنَ الحضاراتِ في حنجرةِ الغيب،
يا أنثى الزمان،
يا رائحةَ الخبزِ والماءِ والمجدِ والدموع،
أنا ابنُكِ في ألفِ زمنٍ
،
أعودُ إليكِ
كلَّما تغيّرَ وجهُ اللهِ في لغاتِ البشر،
ولا أجدُ نفسي إلّا فيكِ.