“رداءُ الطمأنينة مثقوب.”
هكذا تمضي رحلةُ الإنسان في سعيهِ المحموم نحو الراحة،
تلك الرغبة التي تبدو أحيانًا كأنها هروبٌ من مواجهة الواقع،
أكثر منها فهمًا له أو تغييرًا فيه.
من خلال رموزِ الحياة والموت، الطفولة والشيخوخة،
الفرح والخوف،
تسلّط القصيدةُ الضوء على هشاشةِ الإنسان،
وعلى مفارقاتِ بحثه عن الطمأنينة في أشياءَ قد تكون أوهى مما يظن.
إنها ت هج أملٌ في التغيير، والوفاء، ومعنى السكون،
وفي خلفية كل ذلك،
يبقى السؤال:
هل نرتدي الطمأنينة لتغطية قلقنا،
أم نكشف من خلالها عريَ حقيقتنا؟
⸻
رداءُ الطمأنينة مثقوب
(قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي)
دريسدن، 27.03.2025 | نُقّحت في 22.07.2025
من بتلاتِ الوردِ كنتُ أصنعُ شرابَ الطمأنينة،
وأخشى أن أوزّعَ وصفتَه،
فأضيعَ في دوّامةِ الرضا والرّفض.
كنتُ واثقًا من
طَعمِ الريحانِ، وطَعمِ الليمونِ الأخضر،
الذي نشأَ قربَ الوردة،
ومنح بتلاتِها الطمأنينة،
فجعلني أهدأ…
كما لو أنني نسيتُ أن أبحثَ عن اليقين.
أضحكُ من نفسي،
ومن بساطةِ الأشياءِ الرخيصةِ التي تمنحني البهجة.
أنا مبتهج… أنا مطمئن.
هل أنا حقًّا “أنا”،
في دهاليزِ السعادة، بين أكفّ الورد
وطَعمِ رحيقِ الليمون؟
في حبِّ الحياةِ، نُقلّدُ ما يحلو لنا،
نتسلّى بملاحقةِ فقاعاتِ الصابون،
تعجبُنا وهي تحملُ قوسَ قزح،
ثم تموتُ رذاذًا،
تحمله الريحُ إلى الفناء.
لا نذكرُ هذا الجمالَ اللحظي،
ولا داعيَ للقلق،
كانت فقاعةً وانتهت،
لأنها وُلِدت فقاعة.
ونحن مطمئنّون أنها لن تعودَ بمطارقَ
لتدقَّ رؤوسَنا.
ما أقبحَ الجمالَ حين يختبئُ برداءِ الخيبة،
لماذا وُلدتِ الفقاعةُ بهذا الجمالِ المقهور؟
نعانقُ الدُّمى القطنية، ونعلمُ أنها فقاعةُ عاطفةٍ
بلا حواس،
أو نرتدي ثيابَ العسكر،
لإظهارِ الشجاعةِ وحبِّ الحياة،
ونكره الحربَ والأزياءَ الإجبارية.
نشتري ما يُخيفُ البعوض،
ونسعلُ قبل مجيئه،
نطمئنُّ لارتداءِ معطفِنا في الصيف،
سنيكا لا تصله اللسعات،
حتى ولو اختنقنا ببخار الماء.
نُقلّدُ الكثيرَ من الأشياء…
إلّا الموت.
حتى لو نصبنا شراكَ الموتِ للبعوض،
وشيّعنا بقاياه بسعادة،
نتحاشى أن نُقلّده،
لكنّنا نمضي كجثثٍ هائمة،
نتحدّى الموتَ بالكلمات،
ونتحدّث كالجثثِ أمامَ المرايا،
لتحسّسِ البهجةِ الأزلية.
نُوقظُ الطمأنينةَ بخجلٍ وخوف،
نخشى الخطأَ في تحديدِ الحدود للبهجة.
نخشى نهايةَ الفصولِ الأربعةِ دفعةً واحدة،
فنهرُبُ إلى عالمٍ يمنحُنا التشبّثَ بالحياة،
فنقولُ أشعارًا، ونسميها قصائد،
ثم، بكلِّ بساطةٍ، نهمسُ خِلسةً:
“من ماءِ السواقي العذبةِ،
ندلِّلُ أشجارَ النخيل،
فتعانقُ السماء،
وتتركُنا منبهرينَ من روعةِ سعفِها،
المتراخي كموجاتِ شعرِ الحسناوات،
في أسطورةٍ مزيفةٍ من مملكةِ النخيل،
وراقصاتٍ عذارى بتيجانٍ من السعف،
الملوّنةِ بألوانِ الطمأنينة:
بيضاء، ثم بيضاء، وفي الوسط ألفُ لون
يختفي فيه الخوفُ من الملك.”
نهربُ، نحملُ متاعَ الفرار:
قلبًا يخفقُ، وفكرًا يدور.
لا بدَّ من الإمساكِ بشيءٍ يقبلُنا هاربين،
مثل درجاتِ سلّمٍ ملتوي.
بالأمس، زرتُ دارًا للمسنين، وروضةً للأطفال،
احتفلتُ بضحكاتٍ سخية،
مغموسةٍ بطرفيْ الحياة:
من طفلٍ مرحٍ يعدو مسرعًا،
ليداعبَ عجوزًا تتفقدُ عكّازَها برعب،
تخشى على نفسها من اندفاعِ الطفلِ نحوها.
تبسّمتْ له،
لمستْ شعرَه،
ثم اطمأنّتْ على عكّازِها،
وعلى عظمِها الذي اجتازَ اختبارَ الرعب.
تنقّلتُ بينهم بالبسماتِ ذاتِها،
بينَ العجائزِ وبينَ الأطفال.
عملٌ رائعٌ يستحقُ المديح…
قلتُ: مديحُ الطمأنينة،
وأغلقتُ الحواس
قبلَ دخولِ شوائبِ الحياة.
عندَ طرفِ البحيرة،
مقعدٌ خشبيٌّ قد تسوَّسَ تحتَ شجرةٍ مائلة،
لم يجلسْ عليه إنسانٌ منذ زمن،
كرهَ الطمأنينةَ المتروكةَ لصُدفةٍ لن تحدث.
لامسَ غصنُ الشجرةِ ماءَ البحيرة،
لتُشعرَ المقعدَ بأنَّ ظلّها طمأنينةٌ،
ناح الغصنُ على أخيه المقعدِ، والذي كان يومًا شجرة.
ثقلتْ الطحالبُ على الغصن،
فبقيَ مغموسًا،
ينتظرُ السقوطَ الأخير،
حتى لو لم يكنْ من غضبِ البحيرة،
ولا من طمأنينةِ المقعدِ المهجور،
منه كأحمقٍ لا يدرك أن أخاه ميّتٌ منذ زمن.
نحنُ ندركُ كلَّ المعاني في الحياة،
لكن… هل نعترفُ بأنّنا ضعفاء؟
لم نخترعْ حاسّةً واحدة
نُضيفُها إلى حواسِنا،
حتى ولو كانتْ حاسّةَ تفقدِ الغائبين،
أو ما يشبهُ الطمأنينةَ بطَعمِ الليمون.
نُحبُّ السّعيَ المحمومَ نحوَ السعادة،
لتفادي الخوف،
ذاكَ الذي طغى على الجداول،
فجفّت،
وطغى على البحر،
فامتلأَ بنفاياتِ المتطفّلينَ
على حكمةِ الأخلاق.
لم نعدْ نرغبُ في إعادةِ الرؤيةِ لمصيرِنا،
صرنا نرى في صناعةِ الواقعِ المهزوم
إنكارًا للأخلاق.
ونسكت.
نحاولُ شدَّ الطمأنينة،
ونلوذُ بالفرار
إلى قناعٍ آخر،
يشبهُ ثوبَ الطمأنينةِ المهترئ،
من نداءٍ مقتولٍ في الأفواه.
نُحبُّ التغيير، ولسببٍ ما…
نتوقّفُ دومًا عندَ الطمأنينة،
هل لديها مقوماتُ التغيير لنهدأ؟
(ط. عرابي – دريسدن)