السبت، 17 فبراير 2024

دنيا الوصب بقلم الراقية عاىشة الزاهر

 دنيا الوصَب 


خرجت الخَليقةُ من ظلمات ثلاث إلى دنيا الوصب عاريةً من الذنوب على الفطرة السّمْحة ،و سترحل بعد حين إلى دار الخلد إما مثقلة بالذنوب أو طاهرة بيضاء كالثّلج.

سارت بحذر و تُؤدة لتُلامس عمود النّور المعلّق بين السّماء و الأرض،الطريق إليه شاقة و مُتعذّرة إلا على ذوي العزائم القويّة ؛فأشباح الأبدية تقوم بتلغيم الطُّرقات بالعوائق و تطمس معالمها بالمفاتن.

و ذلك الوحش المريد، القديم قِدَمَ الأزل ، الرابض وسط أدغال المعمورة،غريم البشرية الماكر، زيّن للبشرية الدّنيا كأنثى فاتنة، عروس تَسَرْبَلَتْ بأبهى الأثواب الحريرية المزركشة وتطوّقت بالتّيجان و ترصّعت باللؤلؤ و المرجان ؛ فانبهرت بجمالها وافتتنت بها،تهافتت عليها واتخذتها صنما مُقدّسا تسجد لها، تُهلّل باسمها و تتنافس في بناء القصور و المعابد إرضاء لها و تعظيما لجلالها!...

غاب عن خلد البشر أنّ الدّنيا مجرد لغز محيّر و امتحان عسير و النّجاح فيها للأمثل و الأذكى و لمن تشبّعت روحه بالثّبات و الإيمان و القناعة.

إنّ هذا العالم الفوضوي ليس بمجرد قصور و حدائق و غنائم و أموال و سِيادة و نزوات واهية إنّما قد بُنِيَ على أنقاض المقاصل و المشانق التي أُزهقت من تحتها أرواح حاربت الظلم و الطّغيان من أجل إعلاء كلمة حق، فأهلكوا و هُلكوا.!

 تلك الأرواح المؤمنة أخرسَت أَلْسُنَ الطّغاة و ولاة الشّيطان الذي وعدهم بعُروشِ خاوية، فأفسدوا في الأرض و قَتلوا و قُتِّلوا و أُعدم الأبرياء بلارحمة.

ليت البشرية تُبصر أن هناك أجسادا مصلوبة على جذوع النّخل و الأشجار قبل ملايين السّنين لم تَبلى، مازالت تبكي بأنين ضياع الخلق، و تنتحب بصمت لأنها قدّمت أرواحها فداء لنشر السّلام و القيّم. ليتك ياإنسان تتفحصّ التاريخ و الواقع بأبصار من حديد و عقول من نور.!

 لكن هيهات حُجبت العيون و طُمست الرُّؤى!

ليتنا نتبيّن ماهية الحياة و نُدرك أنّها ليست عروس الشطآن و إنّما دار فناء بُنيت على الجماجم و العظام و أنّ هواءها مُلَوَّث برميم الأجساد البالية الذي امتزج بتربة الأرض فتطاير في الفضاء ؛ ذاك الهواء هو نفسه الذي تتنفسّه البشرية جمعاء، فتغصّ به و تَشْرِق حينما تطلق صرختها الأولى معلنة الخروج إلى دنيا الوصب.!

.......... 2016


عائشة الزاهر 

المملكة المغربية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .