بين الذِّكرى وَالضَّباب
أقفُ على أطرافِ الذِّكرى،
أستمعُ إلى نَفَسِ الرِّيحِ وَهيَ تُعانِقُ الظِّلالَ،
تُسافِرُ بي بعيدًا إلى أيّامٍ لم تَعُدْ،
إلى أصواتٍ تَهْمِسُ في قَلْبِ الغَيْمِ.
الأُفُقُ يمدُّ يَدَهُ نحوَ الشَّمسِ الغابِرَةِ،
كَأنَّها تُهدي الأرضَ دَفءًَا مُؤقَّتًا،
والأشجارُ تَهتزُّ بِخَجَلٍ،
تَرسمُ ظِلَالَها على وَجْهي،
كَأنَّها تُذكّرني بأشياءٍ فُقدَتْ.
أصدقائي يبتعدونَ في سُكُونِ الطَّريقِ،
تتلاشَى خُطُواتُهم بينَ الضَّبابِ،
وأبقى أنا وَحْدي، أبحث عن بقايا ضَحْكَةٍ،
عن أثرِ كلماتٍ لم تُقَلْ،
عن وجوهٍ مضَتْ بلا وداعٍ.
اللَّيلُ ينسابُ بينَ الصُّخورِ،
يُعانقُ كلَّ خَيبَةٍ وأملٍ،
والنُّجومُ تتجمّعُ لتُخبِرَني قِصَصَ العابرينَ،
قِصَصًا لم يُكتب لها موعدٌ للعودةِ.
في صَمتِ الأرضِ، أجدُ نفسي،
أحفِرُ بينَ الأصداءِ ما تبقّى من حلمٍ،
أحاوِلُ أن أحتفِظَ بشيءٍ من الضَّوءِ،
قبل أن يبتلعنا اللَّيلُ كطفلٍ يَغفو.
أرى الغيومَ تتكاثرُ فوقَ الأُفُقِ،
تحمِلُ في طياتها أسرارَ الأيامِ الغابِرَةِ،
وأصواتُ الطُّيورِ تتردّدُ كأنَّها حكاياتٌ قديمةٌ،
تُخبِرُني عن طرقٍ لم أَسلكها،
عن لقاءاتٍ ضاعت بينَ النَّسيانِ والصمتِ.
والرِّيحُ تعصفُ بِخِفَّةٍ،
تُحرّك أوراقَ الذِّكرياتِ المعلَّقةِ،
كَأنَّها تُحاوِلُ أن تزيحَ الغبارَ عن الحكاياتِ،
وتُعيدَ للزَّمانِ وجهَهُ الضَّائعَ،
لأرى نفسي مرةً أُخرى، طفلاً يَسألُ عن المستقبلِ.
بقل
م الشاعر
مؤيد نجم حنون طاهر
العراق