#@
📜#الملحمة_الفريدة: #غزة_وادي_الجان📜
– "الفصل 6 : ما وراء البوابة"
كان الضوء لا يُشبه أي ضوءٍ عرفه.
لم يكن ساطعًا…
بل كان عميقًا،
كأن الطفل انزلق داخل فجرٍ لا ينتهي،
فجرٍ مصنوعٍ من ذكرياتٍ لم يعشها.
لم يشعر بجسده أول الأمر،
ثم بدأ يحسّ بقدميه
تقفان على شيءٍ ليس أرضًا
ولا هواءً
ولا حلمًا.
كأن المكان خُلق خصيصًا
ليبقى خارج كل تعريف.
ومع انطفاء الوهج شيئًا فشيئًا،
بدأت الملامح تتشكل حوله:
ممرّ حجريّ طويل،
منقوش بسواعد لا تُشبه البشر،
تتلوى على الجدار ككائنات ساكنة
تتنفس ببطء.
في نهاية الممر،
وقف تمثالٌ عملاق
على هيئة امرأة
بوجهٍ نصفه نور
ونصفه ظل.
اقترب الطفل،
لكن قبل أن يصل،
تحرك جفن التمثال.
فُتح ببطءٍ مُفزع،
وخرج منه صوتٌ عميق،
كأنه يأتي من زمنٍ جافّ ومفقود:
"أهلاً بوارث العهد…
لقد جاء أخيرًا."
ارتد الطفل خطوة للخلف.
لكن التمثال لم يتحرك؛
فقط صوته هو الذي ملأ المكان.
قال الطفل بصوتٍ مضطرب:
"أين أنا؟"
"أنت في دهليز الأسرار،
أول ممرٍّ يمرّ منه كل مختارٍ قبل أن يعرف اسمه الحقيقي."
اقترب أكثر رغم خوفه:
"ولماذا أنا هنا؟"
"لأنك قلت الاسم القديم…
والباب لا يُفتح إلا لمن يجري في دمه نور الجان
وذاكرة البشر."
ساد صمتٌ ثقيل.
كأن كل حجر في الممر
ينتظر السؤال التالي.
ابتلع الطفل ريقه:
"أمي… هل هي هنا؟"
تشقّق التمثال ببطء،
وخرج من الشقوق نورٌ شبيه بضوء الفجر،
إلا أنه محمّل بدفءٍ لا يُصدّق.
قال الصوت، وهذه المرّة بليونةٍ مؤلمة:
"هي هنا…
لكن الوصول إليها ليس سهلًا.
إنها في غرفة المرايا السبعة،
حيث ينعكس الماضي على الحاضر
ويختبر كل سلالةٍ صدق دمها."
شعر الطفل بيديه ترتجفان،
لكنه قال رغم ذلك:
"دلّيني عليها."
للمرة الأولى،
انحنى رأس التمثال،
وصار صوته يشبه نسمةً حزينة:
"قبل أن تصل إليها،
سيمتحنك الوادي ثلاث مرات.
الامتحان الأول… قد عبرته حين نطقت الاسم.
الثاني… ينتظرك الآن."
وفجأة،
انشقّ الجدار الأيمن للممر،
وانفتح فيه تجويف داكن
تشعّ منه رائحة قديمة
تشبه التراب بعد المطر بقرون.
خرج من الظلام طائرٌ أسود،
كبير الجناحين،
بعيونٍ زرقاء متوهجة
ترى ما لا ينبغي أن يُرى.
هبط أمام الطفل،
ونشر جناحيه حتى لامسا الجدارين.
قال التمثال بصوتٍ أكثر عمقًا:
"هذا هو حارس الذاكرة.
لن تمرّ إلا إذا رأى فيك ما يكفي من الصدق…
الصدق الذي يفتح الطريق نحو أمك."
تقدّم الطائر خطوة.
ثم خطوة أخرى.
اقترب من وجه الطفل حتى كاد يمسّه بمنقاره.
البرد.
الصمت.
الخوف.
ثم—
اندفع الطائر فجأة…
واخترق صدر الطفل
كما يخترق الضوء الماء.
لم يشعر بألم.
شعر بشيء آخر.
بكلماتٍ تتحرك تحت جلده،
بصوت امرأة تبكي،
بظلّ رجلٍ يركض،
بأصوات مجهولة،
بصرخاته وهو طفل
داخل حضن لم يعد يذكر ملامحه.
ارتجف.
أنفاسه تسارعت.
سقط على ركبتيه.
قال صوت التمثال:
"لا تخف…
حارس الذاكرة لا يجرح…
هو فقط يُعيد إليك ما هو لك."
ثم،
بهدوء،
خرج الطائر من صدره كما دخل،
لكن هذه المرّة خرج وهو أصغر،
بريشه أقل ظلامًا،
وعينيه أقل حدة.
رفرف قليلًا،
ثم استقرّ على كتف الطفل
كما لو اعترف به.
قال التمثال:
"لقد نجحت.
امتحانك الثاني اكتمل."
وقف الطفل بصعوبة.
لم يعد كما كان قبل لحظات.
شيء في داخله تحرك…
استيقظ…
صار يرى ملامح حقيقية
تختبئ خلف صوته وذاكرته.
سأل، بصوتٍ مثقل باليقظة:
"ومتى أصل إلى أمي؟"
أجاب التمثال،
وصوته هذه المرّة كالجلد الذي يُسحب عن سرّ:
"بعد الامتحان الثالث…
وهو الأصعب."
ثم فتح التمثال عينيه على اتساعهما،
فاهتز الممرّ كله،
واتسعت البوابة خلف الطفل،
وصار النور يناديه بصوتٍ خافت:
"تعال…
فالطريق لم يعد يقبل التأجيل."
واخطو الطفل خطوةً نحو العمق…
إلى حيث يوجد كل ما فات
وكل ما سيأتي.
---
"يتبع"
— ✍️ #الأثوري_محمد_عبدالمجيد... 2025/11/22
#غزة، #فلسطين، #شعر #أدب_عربي، #فكر #الهام #غيروا_هذا_النظام،
@الجمبع