"تأملات عابرة"
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – كُتبت في 08.04.2022 | نُقّحت في 19.10.2025
في عالمٍ تتداخل فيه ضوضاء الحياة مع صمت التأمل،
تبدو أبسط الأشياء – كفنجان قهوة في صباحٍ هادئ –
ممرًّا خفيًّا نحو فهمٍ أعمق للذات والعالم.
“تأملات عابرة” ليست بيانًا شعريًّا،
بل محاولة لتلمّس المعنى في تفاصيلٍ صغيرة:
في نظرة طفل، في اهتزاز أرجوحة،
في تمتمات الغفران، في وحشة الوحدة،
وفي هشاشة الإنسانية حين تبرّر الحرب.
⸻
1
على أطراف فناجين القهوة،
تتهامس الملائكة خوفًا علينا،
كأنها تصلي من أجل بهجتنا الهاربة بلا همسٍ وسبب،
وتشدنا إلى تحت ظلال “صباح الخير”،
تشاركنا رشفات الطمأنينة،
واثقةً أن الصفاء لا يُمثَّل ولا يُقلَّد،
ولا ينزف رمادًا.
أما نحن، فنتظاهر بالسكينة،
بينما نرتشف القهوة على عجل،
وهل تسكن فينا الطمأنينة حقًا؟
فليس لدينا ما نضيعه أغلى من الأمس،
الذي مضى ونحن نمسك بخيط الليل.
النصف الآخر من الطمأنينة استسلم للشك،
ودخلنا شقًا ضيقًا،
ضيقٌ يتسع لشعاع حياةٍ خافت.
لابد أن تحتك الأصابع بالفنجان،
لنشعر بالمسيرة في قلب الشعاع.
ونحن نعلم أن الشك، بكل نعمه، خيانة أزلية،
والنزاهة والأخلاق نعمتان.
فالملائكة لا تشكك في نزاهتنا،
وهي ممنوعة من رؤية السواد،
حتى في ظلام أعماق البحار.
لو وصل الشك إلى “صباح الخير”،
لما غرد عصفور،
ولا فاض الندى على الورد.
فالكون لا يعبث بنفسه،
إلا حين يرى الإنسان يتردد في صناعة البهجة.
لا تتردّد، فالورد أضعف من ساق النحلة،
واملك لنفسك البهجة لتتوج بالشكر،
وهذا ما ننسى.
2
لدينا الكثير من الحديث،
جميلًا، منطقيًا، مع المخلوقات والشجر،
بهيجًا يناجي معايير الصدق.
لكن حديثنا يسقي الحروف ويجفف الكلام،
لأننا لا نملك يقينًا أكثر من تذبذبات عقلٍ مثقلٍ بحواسٍ مضطربة.
نغفر كأن الغفران عادةٌ
تقربنا من الهدوء،
وصوتٌ خفيٌّ يردد:
“باركوا لمن قال: غفرت”.
فالذنوب لا تحيا إلا إذا حملناها.
يا راحة النفس سلّمي على القلب،
ويا قلب طمئن العروق،
فلا شكوى أعلى من الفشل.
حين لا ندرك أن كلَّ العالمِ فكرةٌ زائلة،
والخاسر وحده هو المخنوق بيديه يتهالك،
كملكٍ لا يعلم متى يسقط تاجه،
ذلك التاج المنسوج من صمتٍ ومتاهة.
فجارُ العزلةِ عزلةٌ أعمق،
وسقفُ العزلةِ موتٌ ندركه… ونرضى به،
إن بلغ الطيش مقام الفناء.
3
رأيت في الوجوه صباحًا يغلي من العتب الخفيف،
كان النوم أقل راحة، والأحلام بقيت
تراوح تحت المقلتين.
نعاتب بلذة الهارب إلى وسادة:
هل تأخرت الشمس؟ أم طال الليل؟
نحن لا ندري،
فلا نراقب إلا ساعات النوم،
وهي أقل من حلمٍ نسيناه قبل قليل.
وسنمضي معًا إلى غايتنا،
وسيمضي معنا ذاك الذي يحب الوحدة،
لن نكلمه، ولن يكلمنا،
لكن النهار بساط الجميع.
نذكّره أننا شفينا من متابعة اللاموجود،
وأننا أحرار،
لدينا ما يكفي من أحلام اليقظة،
وسنحلم، بدافع الغيرة من النوم وزوّاره.
4
في زاوية لا تهرب من العين،
رأيت مقعد الأرجوحة يتأرجح،
مختلًّا أو مضطهدًا من الريح،
ولا أحد يعرف أيَّ فشلٍ يُفكِّر فيه،
وهو يتألم في صمتٍ مظلومٍ من نفسه.
ورأيت صبيًّا صغيرًا
كان يستند في مشيته على جدار،
تركه ومشى خطوتين
لينعم بالاستقلال والحرية.
انهار الجدار غيظًا من الوحدة،
والصبيّ المسكين ما زال يركض،
رافعًا يديه، بريئًا من أي دمار.
وقال الشهود:
هُدم حصنٌ قويّ،
فكيف نحاسب طفلًا
وننجو نحن… من خجل الحقيقة؟
5
هناك أشياء كثيرة تحدث في الحديقة،
لا يمكن الحديث عن تفاصيلها،
فنحن غادرنا التأملات منذ زمن،
منذ تشكّل لدينا وازع العزلة البلهاء.
لكن صياح الحشرات فوق الزهور
يفضح المستور:
أن هناك من يتعذّب…
ربما دود الأرض، أو النحل، أو الورد نفسه،
يشتاق لحزنٍ مغلفٍ برقّة السكينة.
فجأة، ومثل طيورٍ مهاجرة،
عبر زهور الحديقة،
قضاةٌ يعبرون وهم يضحكون،
يظنّون أنهم يعلمون الحقيقة،
لكنهم ضعفاء جدًا دون شاهد.
الشاهد الصادق هو الميزان،
والذي يرفعه يعلم تمامًا متى يرفعه،
ويكذب الشاهد.
الخديعة عارٌ يقتل بلا انفجار،
والميزان يتأرجح بصمت…
ليته يتكلم، لمات القضاة وانهزم الظلم.
أما الجالسون في السجون
لأجل حرية الرأي،
فلا يعرفون سوى ميز
انٍ واحد:
ميزان الحرية،
ربيعٌ دائم، وندى، ورحيق.
فمن يُخرجهم،
إذا كان هذا العالم
قد أُرهق من تغيّر القيم؟
ربما تعب النور من الانتظار.
طاهر عرابي – دريسدن