"نُزهةُ العصر"
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – كُتبت في 13.06.2024 | نُقّحت في 18.10.2025
في زمنٍ تُقاسُ فيه النُّزهاتُ بسرعةِ الاتصال،
تغدو فناجينُ القهوةِ الفارغةُ آخرَ ما تبقّى من دفءِ العلاقات،
وتُصبحُ الصداقاتُ كبقعِ ضوءٍ عابرةٍ على الشاشة.
نتلمّسُ فيها شيئًا من الحياة ولا نجدها.
هذه القصيدةُ ليست رثاءً للعالم، بل رصدٌ ساخرٌ لهشاشةِ عصرِنا، وللوهمِ الجميلِ الذي يربطنا ببعضنا،
نذوبُ دون أن نشعر، في عزلةٍ إلكترونيّةٍ لامعة.
تحوّلنا إلى أرقامٍ خياليّة، نفرحُ بـ«لايك»، وننسى الكلمات،
ثمّ نهربُ بعدها إلى صفحاتٍ ملوّنةٍ عبثيّةٍ،
تتكسّرُ تحتَ ضوءِ الشاشات،
تثورُ علينا… ولا نشعر.
هل حكمنا بهجرنا لكل مَن يحاولُ أن يُعيدَ شيئًا من فلسفتِنا الوجوديّةِ الضائعة؟
⸻
1
أصدقاءٌ تجمّدوا
تحتَ رغبةِ الرحيلِ في الدائرة،
تركوا الكراسيَّ والفناجينَ وغادروا اللقاء،
مثلَ غبارِ الطَّلع،
لا يدرونَ من أيِّ شجرةٍ خرجوا،
ولا شكلَ الثمر.
يكرهونَ «نعمَ» ويكرهونَ «لا»،
كأنّهم في مستنقعٍ تطفو عليه أزهارٌ لا تطولها أيادٍ
ولا يفكّرُ في شمِّها أحدٌ.
متجمّدون، بلا أنفٍ، بلا كلام،
ورؤيتُهم محصورةٌ بين وهجِ العيونِ ووميضِ الشاشات.
يحملونَ هواتفَهم الذكيّة،
وساعاتٍ أذكى، تتحدّثُ مع الأذن،
وتطرقُ العروقَ في المعصم،
يتوقّفونَ في أيِّ مكان،
مشتاقينَ دومًا لمقاطعَ عابرةٍ سَمّوها «ريلز»،
تُثقّفُ بثوانٍ، تضحكُ بثوانٍ، وتنسى بثوانٍ،
يرسلونَ رسائلَهم بثوانٍ بريئة،
ويظنّونَ أنهم يُشاركونَ العالمَ بثقافةِ العمر.
يتكلّمونَ كساحرٍ يتسكّعُ في الطُّرقات،
تتلفّتُ أنتَ البريءَ،
ولا تعرفُ مَن يُكلّمك ومَن لا يُكلّمك.
ولستَ أنتَ ما يهمُّ أحدًا.
تصابُ بفوضى الحواس،
تَشقى،
تنهركَ العين، تُؤنّبك الأذن،
يخفقُ القلبُ من الصدمة،
وعليكَ أن تفهمَ أنهم يتكلّمون خارجَ نطاقِ الرؤية،
واليدانِ في جيبِ البنطال،
والهاتفُ هجَرَ اليد،
وحلَّ محلَّه حَشوةٌ في الأذن.
2
أصدقاءُ الفيسبوك،
لا نعرفُهم، لكنّنا أصدقاءُ العصر…
عصرُ ما بعدَ العصور.
عصرٌ يضمُّ كلَّ مآسي العصورِ القديمة،
وفوقَها عصرُ الرحيلِ الانفراديّ إلى عالمٍ
ليسوا منه… ليغضب.
كجيوشِ النمل، يُسلّمونَ أحمالَهم لأقربِ نملةٍ تلقاهم،
ويعودونَ فارغين،
حفنةٌ من الوقتِ لا تهمُّ أحدًا.
أصدقاءُ التواصلِ لا يصلونَ أبدًا،
أسماءٌ مَزوّرة، وصورٌ لا تعني سوى غبشِ الحقيقة.
لي ألفُ صديقٍ،
لا أعرفُ أين هم، بين القطبين أو تحت خطِّ الاستواء.
3
في عصرِ ما بعدَ العصور،
حتّى السماءُ تصيرُ مملّة،
وغيومُها صامتة،
ربّما لم تتلقَّ أوامرَ المطر،
فبقيت ساكنةً في فراغِ النداء.
في السماءِ خطوطُ دخانٍ من طيرانٍ رتيبٍ
يحملُ همومَ السائحين،
من البحرِ الأسود إلى جبالِ الألب.
أكثرُهم كتبوا أنهم سعداء،
دون أن يشرحوا: كيف، ومتى، وإلى متى؟
هبطوا بسلام، لكنّ الرحيلَ بقي،
يُخيّمُ على فناجينِ القهوةِ
في زمنِ غربةِ الأجسادِ والأرواح.
كلُّ شيءٍ ساكن،
إلا حبّاتِ السكّرِ في الفنجان،
تذوبُ وتنسى عيدانَ القصب.
والعقولُ تترقّبُ فصولًا لا تأتي.
4
ربّما نفقدُ السيطرةَ على «ما بعدَ العصور»،
وننصهرُ في شريحةٍ من المعادنِ النادرة،
نبرقُ أو نخمل،
ولا أحدَ يملكُ أن يكسرَ هذا الركود.
المطرُ لم يكن يومًا مُرهِقًا كفايةً ليوقظَ الحياة.
لن نشعرَ بالبرد،
فالقهوةُ ساخنةٌ دومًا،
والسكّرُ يذوبُ في أقسى الشتاءات.
لكنّنا نتلقّى رسائلَ تُشعرُنا بحرِّ إفريقيا، وبردِ الشمال،
وجمالِ ريو دي جانيرو،
ونحنُ قابعونَ تحتَ ضغطِ الرحيلِ في الدائرة.
ماذا نفعلُ؟
هل يعلمُ هذا العالمُ أننا نسكنُه بشهوةٍ لا يكفيها العمر،
وبرغبةٍ تتمنّى لو أن الأيامَ تتوقّف؟
لنقولَ شيئًا أكبرَ منّا… ليبقى أثرُنا.
كم أخشى أن نبقى مثلَ ورقِ الشجر،
يَعطفُ علينا الغصنُ لأجلٍ مُسمّى،
ولا يمتدحُنا الثمر،
والخريفُ قادمٌ،
ليتركَنا نودّعُ لهونا،
دون أن يذكرَنا
المطر،
ونحنُ أسيادُ الراحلين… أسيادُ العدم.
نتعثّرُ دونَ حركة،
ونتألّمُ دونَ خُدوش،
لكننا نتكلّم.
طاهر عرابي – دريسدن