اين بسمتي؟
لله أشكوكم ضعفي وقلّة حيلتي،
يا من قتلتم فيَّ سناء بسمتي.
لا أمًّ أشكو إليها، لتكفكف دمعتي،
أو صدر أب، يخفف آلامي ولوعتي.
كنت كل صباح، أرقب منهم قُبلتي،
أو تأتيني من جدّي، أو من جدّتي.
أستيقظ على إثرها، أنضّد فَرْشَتي،
أغسل وجهي، وأسناني بِفُرْشَتي.(١)
ثمّ أصلّي، وأدعو ربّي في سجدتي،
أن يحفظ أبي وأمي، وجميع أسرتي.
ثمّ تُلبسني أمّي حذائي وبدلتي.
تمسح كفّيها بعطرها على وجنتي.
أمشط شعري، وأجلس على ركبتي،
أشرب حليبي، وأغمس زيتا بخبزتي.
كنت أهرب دوما من أكل بيضتي،
فتجبرني على أكلها في لحظتي.
يُسعفني جدّي، ويأكلها إثر شكوتي،
من أمّي، فأقبّله شغفا على نُصرتي.
تُخفي أمّي بسمتها، متظاهرة قسوتي،
تفتح محفظتي، وتضع فيها لمجتي.
يصحبني أبي إلى باب مدرستي،
ثمّ يقبّلني، ويسلّمني إلى معلّمتي.
أدخل القسم، أجد أقراني وبقعتي،
اجلس عند النّافذة، أرقب شَجْرتي.
تفْقد أوراقها، راقصة، فيُنشد غنوتي،
عصفور صغير، جاء يؤنِس وحدتي.
أسبح في ملك ربّي، وجهي لقِبلتي،
راجيا منه أن أصير طيّارا في قريتي.
ا***ا
ماذا جرى؟ أين أنا؟ أين بقعتي؟
أين مدرستي؟ معلّمتى وصحبتي؟
لا تخف. طبيب، وأنت في مِصحّتي،
دعني أداوي جرحك، بُنيَّ، وحرقتي.
قد أمطروا قريتك شُهبا مع بلدتي،
صارا قاعا صفصفا، يا طول ندبتي.
أيّ جرح، جئت تداويه في أزمتي؟
ليس دمي أعمق من جرح مهجتي.
أين أبي وأمّي؟ جدّي وجدّتي؟
اين محفظتى؟ كتابي؟ أكلتي؟
أين شجَرتي؟ عصفوري؟ لعبتي؟
أين أحلامي؟ طيّارتي؟ نشوتي؟
اين آمالي، تُخرجني من صدمتي؟
لِمَا كأسي فارغة، يا ابن جلدتي؟
تصرف أموالك هباء دون رحمتي،
تفرح حين ترى دمعي يملأ مقلتي.
ترْضى الأنقاض ملاذي في عسرتي؟
يلسعني البرد، ويزيد في حسرتي.
السّماء تغطّيني، والأرض لي مخدّتي.
حتّى صرت اتمنّى فقري على عزلتي.
يقتلني الجوع، فأشدّ بطني بحَجرتي،
تصحبني من الفجر حتّى آخر ليلتي.
بين الشّوارع، أو الأنقاض، أو الأزقّةِ،
أبحث في قمامة، أُخرج منها لقمتي.
يهجرني النّوم وأبات مع رعشتي،
خوفا من الحاضر، والمستقبل، وموتتي.
قد كان عمر الفاروق يطهو أكلتي (٢)
يبكي قائلا: ربّي اغفر زلّتي وسهوتي.
عن هؤلاء الأيتام، وأمّهم في كلفتي،
كيف قصّرت في حقّهم، ومحمّد قدوتي؟
يا من سرقتم موطني، وخسفتم حُجرتي
أنتم سبب شقائي، بؤسي، آلامي وعثرتي.
سوف أبلّغ الله أنّكم قتلتم ضحكتي،
ينتقم الله منكم، ذاك رجائي ودعوتي.
أهديها لكلّ طفل أفقدته ضروف الحياة سناء بسمته.
من أبوكم، فقير ربه: كريم الدّين مصباح
6 ديسمبر 2020.
ا----------ا
(١) فُرشَتي: اي فُرشاة أسنان، ولكن طوعتها لضرورة شعريّة.
(٢) اقرأ قصة عمر الفاروق مع ام الايتام من حياة الصحابة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .