"صباح المستشار"
قصة قصيرة بروح فكاهية ساخرة
بقلم: الشاعر والمهندس طاهر عرابي
(دريسدن — كُتبت عام 2020 ونُقّحت في 22.11.2025)
استيقظتُ وأنا أحاول الإمساك بحلمٍ غريب، ممتع، لكنه يختفي كالدخان بين الأصابع. كنتُ في الحلم مستشارًا شهيرًا، ترتعد الوزارات لرأيي، ويتسابق الرؤساء للاتصال بي. كنتُ على أعتاب أن أصبح مستشارًا لرئيس الدولة. تمنّيتُ لو بقيتُ نائمًا، لكن الصباح الممل مزّق الحلم بلا رحمة، وتركني أحمل الأسئلة بلا أجوبة، وكأن عيناي قالتا:
«الواقع هنا… والمعجزات لا تحدث إلا في النوم.»
وسط ذلك النهار الرمادي، قررتُ تحويل حلمي الافتراضي إلى واقعٍ ملموس. كنتُ أردد لنفسي:
«من يخذل حلمه يخذل نهاره، ويهدم عقله أيضًا… وللعاقل أن يفهم ذلك.»
بدأتُ رحلتي الجامعية الخيالية: خمس كليات، خمس سنوات، خمس تجارب قصيرة وفصلان في كل منها: الحقوق، العلوم السياسية، الاقتصاد، الفيزياء، التاريخ. خمس سنوات من التنقّل بلا شهادة، وسط همساتٍ لا تنتهي من حولي، ومن يقترحون زيارة طبيبٍ نفسي، وكأن حياتي حديقة عامة لهم حق الرعي فيها. لم أكترث. لم أفهم يومًا كيف يحق للآخرين أن يُرتّبوا سلوكياتي كما لو كنتُ قطًّا ضيفًا في بيوتهم، لا أحد يهتم به.
وفي النهاية، تخرّجتُ وحدي. صنعتُ شهادة على ورقة بيضاء مُطرّزة بالورود، وكتبتُ بالحبر الأخضر:
«شهادة جامعية بدرجة مستشار
تُمنح للسيد أمل الحلو بتقدير ممتاز.»
بعدها فتحتُ مكتبًا استشاريًا، مستدينًا من صديقٍ ثري يحب الأحلام الغريبة، أو ربما رأى في دعمي مغامرة ترفيهية. كان ما يدهشني ثقته المطلقة بي: كيف يوظّف شخصٌ مالًا طائلًا في فكرة يملكها آخر؟ ربما يحب التحدّي، كما يفعل كثير من الأثرياء في لعبتهم المفضلة: استثمار عبث الآخرين.
المكتب في شارعٍ شهير بالعاصمة الساهرة، وعليه لافتة مضيئة:
«مكتب المستشار أمل»
طلبتُ من صديق رسّام فقير أن يرسم لوحة قوس قزح تنساب من زاوية اللوحة إلى أطرافها الثلاث، على طريقة سلفادور دالي، ولكن بانسيابية تشبه بيضة مقلية على صفيح ساخن. أضاف لونًا بنيًا بلا سبب، لتصبح اللوحة ساحرة وغامضة في آن واحد. علقناها خلف مكتبي، فقال الرسام ضاحكًا:
«من يدخل المكتب سيظن أنك قديس! وهذا اللون البني هو لون الحيرة.»
ضحكنا ونحن نحلل خفايا الخطوط الملوّنة وتأثيرها “المقدّس” على زبائن المستقبل.
بعد أسبوع، دخلت امرأة أنيقة وجلسَت تحدّق بي وباللوحة، عيناها ذكيتان، وملابسها فاحشة الثراء. قالت:
«مكتبك جميل… واللوحة بالتأكيد من أعمال دالي. لكن لستُ هنا لتقييم الفن، بل لأعرف: هل أنت مستشار فعلي؟»
أجبتها بخوفٍ طفيف:
«نعم… لقد تخرّجتُ من خمس كليات بتفوّق، وقدمّتُ استشارات عديدة.»
ابتسمتْ وقالت وهي تغادر:
«ربما نلتقي مرة أخرى.»
في صباح اليوم التالي رنّ الهاتف:
— «صباح الخير، هل أتكلم مع السيد أمل الحلو؟»
— «نعم، تفضل.»
— «أنا وزير الري والزراعة.»
أجبتُ بثقةٍ مصطنعة:
«أهلًا بك، كنتُ أتوقع مكالمتك. الحكمة تبدأ من كشف المشكلة بلا حجب. اطرح مشكلتك كما هي، وسنجد الحل. فالمربع الأول هو الأساس دائمًا، والحياة كلها مربعات متلاصقة. من يتقاعس عن المربع الأول تراه يقف مصدومًا… أو هالكًا في المربع الرابع.»
قال الوزير:
«زوجتي قالت الحقيقة… مستشارونا جبناء، يخافون من الخطأ أكثر من حرصهم على الصواب. يقولون شيئًا ثم يتراجعون عنه، وفي النهاية يرمون القرار في حجري. أعتقد أن الاعتماد على خبراء مستقلين هو الحل الأفضل.»
اتفقنا أن أزوره صباح الغد.
ذهبتُ بملابس متواضعة: بنطال جينز داكن، صندل أسود مفتوح، وقميص مطبوع عليه جسر غولدن غيت. أردتُ أن أظهر كمستشار لا تعنيه البدلات ولا ربطة العنق… يهمه أن يحل المشكلة وهي في المربع الأول فقط.
جلسنا خلف طاولة خشبية صقيلة، عكست وجهي بشكل أربكني. شرح الوزير المشكلة:
«النهر الأخضر، القادم من الدولة المجاورة، يفيض حين تهطل الأمطار عندهم، ويغرق قرانا. الرئيس حمّلني مسؤولية إيجاد حل نهائي.»
قلت له:
«الحل بسيط: ابنِ سدًّا على الحدود. سيرتد الماء ويغرق حقولهم، فيأتونك راجين فتح فتحات لتخفيف المنسوب. حينها ستبيع لهم ماءهم مقابل الاستقرار. المسألة ليست ماءً… إنها لعبةُ قوةٍ تُخضِع حتى الأقوياء.
أعجبته الفكرة. وبعد عام، اكتمل بناء السد.
أرسل الوزير إلى الدولة المجاورة لائحة بأسعار “تصريف المياه”، وقَيَّم لهم أضرار الفيضانات عندهم، وأكّد على ضرورة الدفع مسبقًا.
فجاء الرد هائجًا: حشدوا جيشهم وهدّدوا بهدم السد.
استدعاني وزير الدفاع، وكان محبطًا ويرتجف، وقد ارتدى ملابس عادية: بنطال جينز أزرق وقميصًا مرسومًا عليه قبّعة سوداء.
قال بقلق واضح:
«يقولون إن السد يهدّد أمنهم… وماذا نفعل؟ لقد تكلّفنا الكثير في بنائه!
قلتُ له بثقة:
«المشكلة ليست السد… بل المطر. يجب أن يتوقف المطر عندهم، ويصبّ عندنا.»
قال الوزير مذهولًا:
«وكيف نوقف المطر عندهم؟»
أجبته:
«نسحب الغيوم. نركب طائرة، وكل غيمة فوق حدودنا أحقنها بخليط من كلوريد الصوديوم والكالسيوم والمغنيسيوم. ستسقط الأمطار عندنا فقط، وتجفّ سماؤهم، فيرجون شراء الماء منا.»
في مساء اليوم التالي، أقلّتني المروحية مع أفضل الطيارين. كل غيمة حقنتها هطلت المطر بغزارة في بلدنا، والجداول تزحف نحو السد كأنها جنود مذعورة.
قال الطيار مصدومًا:
«يا إلهي، السد يختنق… والماء يرشق نفسه فوق السد!»
قلت حانقًا:
«هذا المربع الثالث… اختناق السد.
مشكلة كبيرة جدا ولا يمكن تناقلها بالخوف ؟»
عدتُ إلى البيت بعد منتصف الليل، والأمطار لا تتوقف. فتحت المذياع، وسمعت المذيع يصرخ:
«لقد انهار السد الجديد! المياه اندفعت عكس مجرى النهر الأخضر ووصلت إلى منابعه في الدولة المجاورة… ولأول مرة في التاريخ، يجري النهر الأخضر إلى الخلف! يا إلهي… حتى الأسماك عادت فرِحة!»
طرق الباب فجأة، فارتجفتُ رعبًا:
هل سيعتقلونني بتهمة هجرة الأسماك؟
هل سأجد نفسي في المربع الرابع… المربع الذي لا يلتصق به سوى الرماد، وأبقى مُعتقلًا تحت الأرض؟
يا لها من ضربة تهزّ روحي الشجاعة… وخسارة لا يمكن فهمها حتى في الحلم.
لكن الباب انفتح، ودخل صديقي الثري مبتسمًا.
قال بهدوءٍ يليق بالحكماء:
«إنها السعادة يا صديقي… أنت مستشار مبدع، لقد أنقذتنا من حرب. ولن أسترد مالي منك؛ فهو هدية لك.»
— طاهر عرابي