“موت المألوف”
“موت المألوف” رحلة شعرية بين الرمزية والتجربة الحسية، حيث يتكئ المطر على أكتاف الرصيف، تهدّل الحمامة على نافذة الشاعر، والقوسان والدائرة يرمزان لصراع العاشق بين المألوف والمغاير، بين السواد والهديل، بين البراءة والذنب.
موت المألوف
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 02.02.2023 | نُقّحت 24.08.2025
1
ليتكِ تعلمين أنني محترق منذ أن رأيتكِ لا تريني.
ماذا تظنني؟
بستانًا تمشي تحت ظلاله، فتشعر أنني شجرة؟
ماؤها من المطر، وثمرها من حضن الصحراء،
والظلال باردة، منعشة، فيها شفقة ووداد.
أم طائرًا يحملُك على جناحيه،
ثم يحط بك على قمة لتراني وحيدًا من حولك؟
منزوع الفرح، صافي القلب،
أكرر كلامك لأحتفظ به في ذاكرتي.
أفكر بالهرب،
وأخشى أن أحتكم للشياطين،
فينتابني شعور الخيانة العظمى، بشكل لا يُطاق.
وأخشى اللجوء إلى الملائكة لتطهرني من جرمي،
لكنهم سيفكرون في ذنبي، ويقولون:
“أنت بريء”،
وأتردد بين البراءة والذنب.
أنا العاشق الذي لم يُحدِث لحبه ضجيجًا،
يظل في سكينة الظلال،
مخفيًا بين أوراق سقطت منذ خريف الحب،
ولا يعلم وجوده إلا الريح.
أتحقق من نفسي لجولة أخرى مع الأمل.
لا أتحايل على منصاتهم حتى وإن بقيت وحيدًا،
ولا أحد يدلني على مسار الجمال أو دروب الغبطة.
أهرب لكي لا تراني الأوهام وتضلني.
دخلت بستانًا يزهر ويثمر بلحظات،
حتى ظننت أن الفلاحين يحملون الينابيع إلى الحقول،
خوفًا من غضب الأشجار التي تلملم صمتها بحذر.
يبيتون ليلهم بين حبات العنب،
مخمورين من شهوة الأمل،
مطمئنين أن العاصفة ستنتهي حين تصمت قذائف الضجيج.
لكنهم لا يعلمون أن ساحة العشق لن تهدأ،
وأن الحب لا يبدأه العاشق في فنجان قهوة.
ومستحيل أن يلتهم الحوت نساء الشاطئ،
بينما يحتفلون بعيد الحوت العظيم،
الذي جاب البحار ليتفقد السكينة في أعماق الضوء.
2
العشق دين نصنعه ونحتفي به في مواسم فيضان الخوف.
لا بد من تبديل الابتسامات،
لقد تعتقت على الشفاه، وصارت غطاءً، أشبه بجلد العصافير.
أتمزق غيظًا أن تراخت شفتاي أمام عشيقتي،
سأهيم على وجهي حتى أجد تلك الابتسامة،
التي تبقى معلقة حتى في النوم،
وتبقى على وجه المرايا دون ظلال تبطئ السعادة.
نسيت مفاتيح الباب، خرجت أبحث عن بيتي في العالم.
لا بيت، ولا عشيقة، ولا فلاحين سعداء،
وهكذا أصررت على تسميته بشارع المفقودين.
وجدت مزهرية من ورد الأشواك،
ملقاة ليراها العاشقون التائبون.
وقفت إلى جانبها أتأمل أشواكي،
فلتفتت إليّ الأشواك وغادرت المزهرية،
فبت بها ليلتي صائمًا عن الوداد.
يا للعقاب المختار، ليطيب الضمير دون تأنيب يقهر.
ووجدت تفاحًا طيبًا بيد الأطفال الذين ينتظرون البهجة،
من سكر قد أغوى الفراشات.
لم يفكروا بالعشق بعد،
همهم أن يكونوا أفضل من العاشقين في لذة النهار.
ينظرون إلى السماء وكأنها ملكهم الأبدي،
لا نار توقظ الشك في فضاء الكون،
ولا نحيب يوجع الفكرة.
غادرت الشارع بعد نزول المطر،
ولا شيء يحدث بعد غياب الشمس في المعابد.
نسيت أنني عاشق، وعشيقتي،
نسيت أنني أبحث عنها، خارج المألوف.
لم تكن جنبي، ولكنها لكزتني بطرف الإصبع،
فصحوت وكأنني رحلت ولن أرجع.
الوجه طافح بالحب، والابتسامة أجمل من الكلام،
والفراغ يمتد، زوبعة تدور بالبهجة.
3
بعد أن غادرت الشارع، وتركت الأمطار تتكئ على أكتاف الرصيف،
وغابت الشمس عن المعابد، شعرت بسكون مفاجئ،
كأن القصيدة نفسها توقفت للحظة.
من يحرك كثباني سوى هواء، أدفعه إليّ؟
فتحت شباك الغرفة، وأطلّت حمامة…
أنهت هديلها على عتبة نافذتي، ونظرت إليّ:
هل تصالحت مع نفسك لتكون مجدًا في العشق؟
قلت لها:
لن أكون حبيبك أبدًا.
أنا بشر، أتكلم، أغني، أزفر…
وأنت، الهديل، ميلاد الشعر قبل الشاعر،
وموسيقا تزخر بأنغام مجهولة.
اعذريني، ودعيني أشرب قهوتي،
نعم، تصالحنا وشيّعنا المألوف في الضجر.
لو كنت تعرفين مزارع البن،
وحرارة النار التي حمصت الحبات حتى اسودّت…
لحزنت عليّ،
كيف أستسيغ السواد، وأهرب من الهديل؟
ربما يقفز العاشق بين قوسين،
وإن غفل، وقع في دائرة،
تغلقها الأقواس… ويبدأ السؤال الأبدي عن معنى العشق.
طاهر عرابي – دريسدن