بينما تتبدل السعادة
السعادة تتبدل كما تتبدل الرياح، وتولد أحيانًا من التغيير والفقد.
نحن نحملها، ونبحث عنها، ونواجه صراعًا داخليًا دائمًا لفهمها.
هذه القصيدة رحلة صغيرة في قلب العصفور، الوردة، والعطر…
رحلة في البحث عن الفرح بين الصقيع والمساء.
⸻
بينما تتبدل السعادة
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 17.08.2024 | نُقّحت 22.08.2025
عصفورٌ صغيرٌ لم يعانق عصفورةً بعد،
ولم يبنِ عشًّا، ولم يلمس قشر بيض أمه،
وهي تحتفل بولادة إخوته.
قالت له أمه: الفراق صعب، لكن إن كان من أجل السعادة، فهو مقدّس.
خذ ما تشتهي لنفسك، حتى ولو كانت رائحة العش،
فهي الهوية أينما كنت.
طار وحيدًا، ولم يحزن على فراق عشه،
ولا يخشى حتى سقوط ثمرة على رأسه،
قبل أن يتعلّم أن للعقل مساحات،
فيها أذى… وفيها سعادة.
توقّف على غصنٍ ليس بعيدًا،
وكأنّه يشمّ رائحة أمّه للمرّة الأولى.
قال: يبدو أنّ السعادة تتغيّر،
كما تتغيّر حركة الرياح في مواسم المطر،
وكما تتبدّل تحت أشعّة الشمس المقهورة بغضبها وحرارتها.
كلّ شيء يتغيّر، يكبر، يشيخ…
لا مكان للوقوف بلا زمن.
عمري بين العشّ وبين هذا الغصن
مسافة مضت، ولم أتوقّف حتّى لسماع إخوتي.
إنّها الغفلة… ترافق العقل،
حتّى وإن تنقّل بين الأغصان.
هل بمقدوري أن أتمتّع قبل أن أفهم؟
الشمس تنتزع الماء من أوراق الشجرة
لتجعل الشجرة سعيدة،
وتجدد روحها بماءٍ عذب،
حمله الغيمُ ومات منذ زمن.
لكن الشجرة تبدو غير راغبةٍ في مثل هذه السعادة،
وهي تشفق على ذبول أوراقها.
يختلط الفرح بالحزن،
لكن الغاية تُدعى سعادة…
فكيف تكون سعادةً،
إن لعب الآخرون في خلقها لي؟
أمي رأت في الفراق السعيد قداسة،
وأنا أراه بدايةً لكلّ شيء… إلّا السعادة.
لسنا وحدنا معنيّين بها،
لكن ما أغرب الأمر،
حين تكون سعادةُ أحدهم ندبةً في قلب الآخر.
رأيتُ أفعى تلتهم ضفدعًا بسعادة،
ورأيتُ ضفدعًا يلتهم يعسوبًا…
كلّهم سعداء، إلا من كان فريسة.
وأمّي تدفعني لأشقى، وتقول:
“السعادة مقدّسة؟”
لابد من شيءٍ يضمن لنا السعادة بالتساوي.
فلا قداسة لمن ملك ومن لا يملك.
ولكن هل السعادة حبات قمح؟
املكها، واسعد.
قفزتُ متعبًا إلى غصنٍ قريب،
وكدت أنزلق… لأول مرة شعرت بالرعب.
الرعب شيء قبيح، لا أتمناه لأحد.
ابتسمت أمي لي عن بُعد، فظنت أنني سعيد،
وفرحتُ أنا بابتسامتها… ونسيت فرحي أنا.
لأول مرة ولدت السعادة،
وأنا أتألم.
أشياء كثيرة وبسيطة تجعلنا نفكر،
كيف نكون بلا صراع، لكننا نتصارع.
منذ إشراقة الصباح نتصارع مع الجوع،
ومع الحب، ومع الطمأنينة،
وبينهما نتذمر من أجل السعادة.
كانت في أول الطريق وردةً جميلةً حمراء،
تميل إلى الزمرد وقت الغروب،
زرعتها عجوز أحبّت زوجها،
وماتت، والحزن صار دائمًا في عقلها…
اقتربتُ من الوردة، أحمل عطرها تحت جناحي،
وأطير به إلى أمي لتشعر بالسعادة العطرة.
عطر وردة بريئة، زرعتها عجوز حزينة على فراق زوجها…
فتسعد أمي.
تناقض يثير القلق… لكننا نعلمه.
ما أغرب السعادة حين تولد من التغيير!
موتٌ يثير الفكر، وحياةٌ تزرع الأمل.
ماتت الوردة بعد أن فقدت بتلاتها،
وشيخت… ولأوّل مرة فهمتُ الأجل:
الأجل أن تنتظر مساحةً يتوقف فيها الحزن والسعادة معًا.
فغيّرتُ الطريق،
وبدأتُ أفتش عن سعادةٍ أخرى،
في شيءٍ لا يشبه ينابيع المياه،
ولا دحرجة الحصى في مجرى الجدول،
ولا نعيق الضفادع الطائشة.
لن أدون مدى الدوام،
وأنا أمضي مثلهم، إلى يومٍ لن نكون فيه شيئًا.
البحث عن السعادة شاقّ للغاية.
لم أجدها في قمة الشجرة المرهقة من الطيور السمينة،
ولا في ضوء القمر الذي يخشى الغيوم.
كل شيء يكذب، ويحيط نفسه برداء ممزق،
ليبقى حذرًا من الدفء.
كثرة الدفء إرهاق، وقلة الدفء خوف…
الكل يفتح نوافذ قلبه،
ما أصعب أن تخنق، وأنت سجين عقلك!
وقفتُ على غصنٍ قرب غصن ميلادي،
أفكر في تربية السعادة، لتكون لنا دائمًا.
سنزرع الورود على الأغصان،
وبين زحمة الأعشاش وصخب صغار العصافير.
اختلفتُ في الحوار مع العصافير الغيورة
حول فكرتي في زرع ما يضمن لنا السعادة.
اختلفنا على نوع الورد العطر،
ثم على الألوان، ثم على الثمن والعمل،
وغضبنا من بعضنا البعض…
وطُردوا بلا سعادة، وطرتُ،
كأني لا أعلم من هو الأحمق،
ومن جعل العقل للجدال فقط.
محنة الأخلاق في فهم السعادة،
ومحنة السعادة في الجدل العقيم.
لن نهدأ ونحن نتنقّل بين دهاليز الجدل.
ندمت أشد الندم،
فالأراء لم تكن للسعادة،
بل لتمجيد الكلام والمراوغة للوصول إلى الفشل.
مرَّ نهارٌ آخر بلا عطور، وبدون فكرة.
لا بد لي أن أطير قبل موسم الموت المحتوم.
قالت أمي، والتي بدت مرتعبة، لكوني لم أكن سعيدًا بعد الحوار مع العصافير:
“سافر، ولكن الصقيع لا يحب السعادة،
وهو قادم لا محالة، وسيكون أينما كنت.
إنه التغيير في أقسى صوره،
سيقتلك إن بقيت تفكر بعطر السعادة.”
سافر الأشقياء من العصافير بالأمس،
وقلتُ: أنا باقٍ.
نزل الثلجُ، ولم يبقَ شيءٌ من أجل السعادة،
وأنا متأكد جدًّا… أنهم مثلي.
قلتُ مرة أخرى للسعادة:
“ما أصعب أن أكون سعيدًا،
فكل شيء يتغير.”
بكيتُ، وطُرتُ شقيًّا.
ربما كانت السعادة أن ألحق بمن سافروا بالأمس،
لنكون معًا… بعطر سعادتنا.
أقل السعادات كُلفة أن تكون جزءًا من الجميع في هذه الحياة،
حتى ولو اختلفنا في زرع السعادة على الأغصان.
ولكن بين الصقيع والثلج،
وبين الفقد والرحيل، علينا أن نتفقد ما نملكه،
حتى ولو تبقت بذرة صغيرة…
تنتظر من يزرعها،
لتنبت يومًا وردةً أخرى،
بعطرٍ جديد،
يعيد لنا جزءًا من كل السعادة ا
لمفقودة.
صدقوني، تلك العجوز كانت سعيدة بوردتها الحمراء،
وزمردية المساء.
سعيدة حين تأتيها، وسعيدة حين تغادرها…
السعادة… طريق لا ينحني إلا للنفس.
(ط. عرابي – دريسدن)