حصانة اللغة العربية
كان العرب في جاهليتهم يتكلمون لغتهم فصيحة، صحيحة عن طبع وسليقة من غير حاجة إلى معاهدَ تعد إلى تعليمها، حيث كانت البيئة اللغوية في شبه جزيرتهم قاصرة عليهم وحدهم لا يعكّر صفوها قلّة قليلة من الأعاجم المتمثلين في بعض العبيد والإماء والتجّار، فلم يكونوا أكثر من قطرة أعجمية في محيط عربي هادئ.
فلما جاء الإسلام واتسعت رقعة البلاد، اختلط العرب بغيرهم من الشعوب والأمم، ففشا اللحن وسرى على ألسنة عامة الناس. ثم انتشر واتسع حتى أصبح خطرا يهدد اللغة العربية. وكان العربي يستقبح اللحن ويكرهه. قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: «إن الرجل ليكلمني في الحاجة يستوجبها، فيلحن فأرده عنها، وكأني أقضم حب الرمان الحامض لبغضي استماع اللحن، ويكلمني آخر في الحاجة لا يستوجبها، فيعرب فأجيبه إليها، التذاذاً لما أسمع من كلامه».
كما رأى عبد الملك بن مروان أن اللحن في منطق الشريف أقبح من آثار الجدري في وجه الجميل، وأقبح من الشقّ في الثوب النفيس. وكان العرب ينتقصون ممن يلحن ويرونه غير جدير بتولي قيادتهم فلا يلي العرب إلاّ من يحسن كلامهم. فكرهوا أن يوصفوا به، وجهدوا في الابتعاد عنه رغم ما يكلفهم من معاناة ومشقّة. فقد قيل لعبد الملك بن مروان لقد أسرع إليك الشيب فقال: شيبني صعود المنابر والخوف من اللحن، وكان حريصا على عدم اللحن حتى في مزاحه. وقد حرص من قبل معاوية بن أبي سفيان على ألاّ يذهب وقاره وهيبته في نفوس الناس عندما لا ينطق نطقا بليغا فصيحا، فابتعد عن الخطابة منذ سقطت ثناياه. وبلغ من خوف العرب من الخطأ في النطق أن روي أن أحد الأعراب واسمه أبو رمادة طلّق زوجته لأنه وجدها لثغاء فخاف أن تلد له ولدا ألثغ.
لقد وجدت اللغة العربية قبل أن يوجد النحو، وما النحو العربي إلاّ انتحاء سمت كلام العرب، فهو منها ولأجلها وضع. ولماّ كانت اللغة هي الجسر الذي تعبر عليه الثقافة عبر الأجيال وهي التي تحفظ التراث وتنقل الحضارة. اهتمت الأمم بلغاتها وضبطت قواعدها، فصارت لغات الأمم الحية حيّة مثلها، ولغات الأمم الميتة ميتة مثلها. وقد استشرف الفكر العربي هذه المسألة اللغوية، وشخّص الواقع التاريخي بكلّ موضوعية. فجزم ابن حزم قائلا: «إنّ اللغة يسقط أكثرها ويبطل بسقوط دولة أهلها ودخول غيرهم ... فإنّما يقّيد لغة الأمّة وعلومها وأخبارها قوة دولتها ونشاط أهلها وفراغهم، وأمّا من تلفت دولتهم وغلب عليهم عدوّهم ... فمضمون منهم موت الخواطر، وربّما كان ذلك سببا لذهاب لغتهم ... وهذا موجود بالمشاهدة ومعلوم بالعقل ضرورة»
وذكر ابن منظور (ت711ه- 1311م) وهو يشرح في مقدمة لسان العرب الحوافز التي دفعته لتأليفه: كيف آل الأمر باللغة العربية على لسان أبنائها إلى الانحلال حتّى أصبح اللحن في الكلام «يعدّ لحنا مردودا، وصار النطق بالعربية من المعايب معدودا، فجمعت هذا الكتاب في زمن أهله بغير لغته يفخرون، وصنعته كما صنع نوح الفلك وقومه منه يسخرون، وسمّيته لسان العرب». وأكد ابن خلدون هذه الحقيقة حين تطرق في الباب الرّابع من مقدمته إلى "لغات أهل الأمصار" فجاء كلامه في صيغة قانون عمراني يكاد يكون قانونا من قوانين الطبيعة مداره أنّ غلبة اللغة بغلبة أهلها، وأنّ منزلتها بين اللغات صورة لمنزلة دولتها بين الأمم.
فما أشبه الليلة بالبارحة، إنّ اللغة اليوم في أشد الحاجة إلى المراجعة والعناية خاصة وأنها متهمة ومهدّدة، ولا سبيل إلى ذلك إلا بتجديد بعض قواعدها وتيسير ما استعصى من نحوها الذي مضى عليه أكثر من ألف عام.
وليس هذا بعيدا عن لغة ساهمت تاريخيا في جميع فروع المعرفة، وأن فضلها على التقدم العلمي لا ينكره إلاّ جاحد معلوم الجحود. بل هي مصونة محفوظة بقوّة داخلية، وبالقرآن الكريم الذي هو سياج حفظها من الضّياع والزوال، أو ليست أصيلة في ذاتها وغيرها من صنع أهلها، لا بل إنّها لغة المستقبل. «كتب جول فرن قصّة خيالية، مفادها: أنّ سيّاحا اخترقوا باطن الكرة الأرضية ووصلوا إلى مكان ما وسطها، وخطر لهم أن يتركوا هنالك أثرا يدلّ على مبلغ وصولهم في رحلتهم، فتركوا هنالك حجرا نقشت عليه عبارة باللغة العربية ولما سئل عن سبب اختياره اللغة العربية من بين اللغات العالمية كافّة، أجاب: «إنّها لغة المستقبل ولا شكّ أنّه سيموت غيرها حين تبقى هي حيّة حتّى يرفع القرآن»
إنّ إشكالية اللغة العربية اليوم كونها كامنة في المعاجم والقواميس، وأنظمتها حبيسة في كتب النحو والصرف والناس يستعملون لهجات متعددة بتعدّد المدن والقرى، وحياة اللغة وتكرّسها في الاستعمال وليس في الحفظ، فلغتنا اليوم نراها ولا نسمعها، والسّمع مقدّم على البصر، أوليس الأذن تعشق قبل العين أحيانا.
الشاعر التلمساني بوزيزة علي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .