@🌌#الملحمة_الفريدة: #غزة_وادي_الجان📜
– الفصل 4: استيقاظ الوادي
في صباحٍ بدا أثقل من الليل نفسه،
استيقظ الوادي كما لو كان يفتح جفنًا من حجر.
كان الهواء يتحرك ببطء،
والصخور تنضح بحرارةٍ لم تمسسها شمس،
والطريق القديمة تهتز كأنها تتذكر،
خطوات أقدامٍ عبرتها قبل ألف سنة.
لم يعرف أهل المدينة سبب القشعريرة
التي سرت في أجسادهم مع الفجر،
لكنهم شعروا بها جميعًا في اللحظة نفسها،
كأن يدًا خفية
مرّت فوق قلوبهم.
وفي أقصى الجهة الجنوبية للوادي،
كان الطفل يسير وحده،
يمشي بخفةٍ لا تناسب طفلًا في عمره،
كأن الأرض هي التي تحرك قدميه
وتختار له الاتجاه.
لم يخبر أحدًا بخروجه؛
لم يكن قادرًا على شرح النداء
الذي أيقظه قبل الفجر
حين رأى في المنام بابًا حجريًا
يُفتح من داخله نورٌ أزرق
لم يره في حياته من قبل.
حين وصل إلى أول منحنى في الطريق،
توقف فجأة.
لم يكن وحده.
كان طيفٌ آخر يقف هناك—
ليس ظلّ الجان الذي زاره في السطح،
بل جسد إنسان… امرأة.
كانت تقف على صخرةٍ عالية،
ملفوفة بعباءةٍ تموج مع الريح
كأنها مصنوعة من ليلٍ سائل.
نزلت من الصخرة بخفة،
وتقدّمت نحوه.
عينان واسعتان،
فيهما لمعة لا تُشبه البشر.
توقّف الطفل، لكنه لم يرتجف.
قالت بصوتٍ يحمل طبقاتٍ من الزمن:
"ظننت أنك ستتأخر يا صغير الوادي."
رفع الطفل حاجبيه:
"أعرفك؟"
ابتسمت، لكن ابتسامتها لم تكتمل:
"ليس بعد…
لكن أمك كانت تعرفني."
لم يعرف الطفل ما يجب أن يقوله.
الكلمات علقت في حلقه
كأن الهواء صار أثقل من العادة.
قالت المرأة وهي تمسح بيدها على صخرة قريبة،
فلمعت تحت أصابعها خطوطٌ قديمة:
"هذا الوادي يحمل أسرارًا أكثر مما تحتمل ذاكرة البشر.
كل حجر فيه شاهدٌ على معاهدةٍ
وقّعها أجدادك…
قبل أن يولد الضوء الأول."
تراجع خطوة:
"أمي… هل هي حيّة؟"
انحنت المرأة قليلًا
وكأنها تُنصت لشيء ينبض في باطن الأرض،
ثم قالت:
"أمك… في يد من يريد فتح الأبواب القديمة بالقوة.
وإن فُتحت قبل أن تنضج قوتك،
فستتحول النبوءة من خلاص…
إلى لعنة."
شعر الطفل بشيء يشبه النار
يتحرك في عروقه.
قالت المرأة بصوتٍ منخفض:
"ستُختبر الليلة.
الوادي سيطلب منك أن تنطق باسمه القديم…
الاسم الذي لا يعرفه إلا المختار.
إن نطقته خطأ—
ستنغلق الأبواب ألف سنة أخرى،
وسيبقى من تحب في الأسر."
اقترب الطفل منها خطوة،
كأنه شعر فجأةً بأنه لا يملك الوقت:
"ومن أنتِ؟"
رفعت رأسها،
فارتفعت معها الريح كأنها تطيعها.
"أنا الحارسة الثانية من عهد الجانّ،
والوصية على بوابة الجنوب."
ثم أشارت إلى الوادي الممتدّ أمامهما،
حيث بدأت التربة ترتفع وتنخفض
كما لو أن الأرض تتنفس بعمق:
"الليل القادم…
لن يكون ليلًا فقط.
سيكون امتحانًا للدم
وللذاكرة
وللنور الذي يختبئ فيك منذ ولادتك."
وضعت يدها على كتفه،
فشعر بتنميل دافئ ينتشر إلى صدره:
"استعد يا صغير الوادي…
فالسرّ الذي نائمٌ في دمك
لم يعد يستطيع الانتظار."
وفي تلك اللحظة،
اهتزت الأرض هزّة خفيفة،
كأن أحدًا يدقّ من الداخل
على بابٍ حجريّ هائل
ينتظر أن يُفتح منذ ألفي عام.
---
"يتبع"
— ✍️ #الأثوري_محمد_عبدالمجيد... 2025/11/20
#غزة، #شعر #أدب #فكر #الهام #غيروا_هذا_النظام