الثلاثاء، 31 مارس 2026

روعة التنحي بقلم الراقي أحمد بياض

 روعة التنحي***


ريح مساء أملس

على صدر الليل

والمسافات الراقدات 

تحت الغسق......  

تعب لجام السير‚

بحر المدن في أسابيع الرمل

والراقدون

تحت الغشاوة وظل التراب

أعين غبار متلهفة .......

والعرافة                       

تقرأ مفتاح السير

 في الظلمات الخافتة

 على هشاشة الضوء........

غائبون

وراء المعسكرات الخلفية

تيمم الفكرة

على سحابة لازوردية

مُُثقلة الجراح

تشق الحروف

الكلمات المنسية 

في رفات الضيم........

حرف لاجئ

من تسمية السؤال‚

نقير التلاوة

من أعماق الرحم‚

وبوصلة الدمى لا تستريح..........

على الأمواج الرافضة

لهلال الدمع

الكلمة قربانا

في مغازلة الأشياء........        

قالت:

أكتبني

 فموتي في فناء البلوغ

والترجي على غيمة الروح......

قلت لها:

كتبناك

وما محا الشوق سواك


ذ بياض أحمد/ المغرب/

الغيم والمطر بقلم الراقي محمد المحسني

 «الغيم والمطر» 

وَالغَيـمُ مُمطِـــرَةٌ بِإذنِـكَ رَبَّـنـا

تَجري السَّحابُ بِأمرِ مَن أَجراها

سَحَّتْ عَزاليها.. فَأحْيَتْ أَنْفُساً

مِن بَعدِ مَوْتٍ.. جَلَّ مَن أَحياها

للهِ مَحْضُ الـمُلكِ في مَلَكوتِهِ

طَوْعاً لَـهُ.. الأفْلاكُ في مَسْراها

وَتَرَى الصَّواعِقَ هَيْبَةً.. وَيُغيثُنا

مَـاءٌ طَـهُـورٌ.. فَـاضَ مِـن مَـجْـراهـا

يَسقي الـمَواتَ فَتَسْتَفِيقُ بَـشَـاشَـةً

بَعدَ الظَّـمـا.. سُـبـحانَ مَن أَسْـقـاهـا

قـامَتْ دَلائِلُ قُدْسِهِ.. فَتَبَتَّلَتْ

جُملُ البَيانِ.. لِتَنْحَني لِـبَهاها

والمحسني بِالحَرْفِ يَرْسُمُ آيَةً

مِنْ فَيضِ نُورٍ.. شَـعَّ في مَعْناها


بقلم الشاعر/محمد المحسني

الأقنعة بقلم الراقي عبد الرحيم جاموس

 الأقنعة... 

حين يغتربُ الوجهُ عن نفسه ...!

نص بقلم د.عبدالرحيم جاموس 


لا نولد بأقنعة،

بل بوجوهٍ عارية من الحيلة، 

صادقةٍ حتى حدّ الدهشة...

لكن العالم، 

منذ خطواتنا الأولى، 

يهمس لنا بما ينبغي أن نكونه،

لا بما نحن عليه...

وهكذا،

 نتعلّم،دون إعلان ،

فنّ التخفي...

نصنع قناعًا للقبول،

كي لا نُرفض...

وقناعًا للقوة،

كي لا نُكسر...

وقناعًا للامبالاة،

كي لا ينكشف ضعفنا...

ثم نضيف إليها، 

مع كل تجربة، 

طبقةً أخرى،

حتى تتراكم ...

الوجوه فوق الوجه،

ويغدو الأصلُ باهتًا…

 كذكرى بعيدة...

ليست الأقنعة ...

خطيئةً في ذاتها،

فهي أحيانًا دروعُ نجاة،

نتّقي بها قسوة العالم ...

 واندفاعه...

لكن الخطر :

 يبدأ ...

حين تتحول من وسيلةٍ عابرة ...

إلى إقامةٍ دائمة،

حين لا نخلعها ...

حتى في عزلتنا،

وحين نخاف ...

 أن نرى أنفسنا بلاها...

هناك، 

في تلك المسافة الخفية ...

 بين ما نُظهر وما نُخفي،

يتكوّن اغترابٌ صامت...

نؤدي أدوارنا بإتقان،

نُجيد الانسجام مع التوقعات،

نحصد القبول وربما الإعجاب،

لكننا في العمق ،

نشعر بأننا لم نُرَ حقًا،

لأن ما رآه الآخرون… 

لم يكن نحن...

نضحك بملامح مُتقنة،

لكن الضحكة لا تبلغ القلب...

ونحزن بصمتٍ ثقيل،

لأن الحزن لا يجد ...

 وجهًا يعترف به ...

نعيش حياةً مزدوجة:

واحدةٌ تُعرض،

وأخرى تُخفى،

وكلتاهما تبتعدان،

 شيئًا فشيئًا،

عن تلك البساطة الأولى ...

 التي خرجنا بها إلى العالم...

والأشدّ قسوة،

أننا مع الوقت ...

 ننسى أن لنا وجهًا أصليًا...

نلتبس على أنفسنا،

نتساءل :

في لحظات الصدق النادرة:

من أنا، إذا خلعتُ كل هذا...؟

وأيّ صوتٍ في داخلي… 

هو صوتي حقًا...؟

ليست الشجاعة

 أن نحطم الأقنعة...

 دفعةً واحدة،

فذلك انكشافٌ

 قد لا نحتمله،

ولا يحتمله العالم من حولنا...

لكن الشجاعة الحقيقية

أن نُخفّف منها،

أن نسمح لوجوهنا...

 أن تتنفس 

بين حينٍ وآخر،

أن نعيد التعارف

 مع أنفسنا

بلا وسطاء...

أن نقول كلمةً صادقة،

ولو خالفت الدور...

أن نعترف بشعورٍ حقيقي،

ولو أربك المشهد...

أن نختار 

في لحظةٍ واحدة على الأقل ،

أن نكون… 

لا أن نُمثّل...

ففي النهاية،

ليست المأساة

 أن نرتدي أقنعةً كثيرة،

بل أن نرحل ...

دون أن نلتقي ...

 بوجوهنا الحقيقية...

هناك فقط،

حين نستعيد ملامحنا، 

ولو متأخرين،

ندرك :

أن أثمن ما في الحياة

لم يكن القبول،

ولا الإتقان،

بل ذلك الصدق البسيط ...

الذي كدنا نفقده

ونحن نحاول أن نكون ...

أيّ شيءٍ…

 إلا أنفسنا...

د.عبد الرحيم جاموس

الرياض 

1/4/2026 م

مرآة الزمن بقلم الراقية هيفاء البريجاوي

 مرآة الزمن 


قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾

هي ليست آية تُتلى فحسب، بل مرآةٌ تُعيد تشكيل الحكاية كلما تكررت المأساة، وكأن التاريخ لا ينسى، بل يكتب نفسه في أرواح جديدة.


تبدأ رحلة الهجرة من لحظة لا تُشبه الرحيل، بل تشبه الانفصال القسري عن الذات. 


حين يغادر الإنسان أرضه، لا يترك خلفه جدرانًا ،بل يترك أجزاءً من صوته، من ملامحه، من طريقته في فهم العالم. 


يدخل أرضًا جديدة لا تحمل له ذاكرة، فيحاول أن يزرع نفسه في تربةٍ لا تعرف اسمه. 


هنا تبدأ المعاناة الحقيقية؛ ليست في الغربة وحدها، بل في محاولة التوفيق بين تاريخٍ معصومٍ يسكن الروح، وثقافةٍ غريبةٍ تفرض إيقاعها على تفاصيل الحياة.


في هذا التمزق الصامت ، يصبح الإنسان معبرًا بين زمنين: زمنٍ نشأ فيه على قيم واضحة، وزمنٍ يطالبه بإعادة تعريف تلك القيم بلغة مختلفة. 


في داخله يعيش تاريخٌ لا يقبل التنازل، وفي خارجه واقعٌ لا ينتظر. 

ليتعلم كيف يوازن ،كيف يُخفي بعضه ليحمي بعضه، وكيف يمدّ جسورًا دقيقة بين ما كان وما يجب أن يكون.


ليمتد الأثر الأعمق ويتسرب إلى أجيال لم يعيشوا بين عصارة الشوق لاحتضان بذور تراب الوطن ،كما عاشه آباؤهم.


بل ورثوه حكايةً، وصوتًا في المساء، وصورةً في ذاكرةٍ ليست ذاكرتهم. يكبرون بين لغتين، بين انتماءين، بين نظرة أهلٍ يخافون عليهم من الذوبان، ونظرة مجتمعٍ يدفعهم نحو التشكل الجديد. 

وهنا تتسع الفجوة الصامتة: الآباء يتحدثون عن “جذور”، والأبناء يسألون عن “واقع”.


في هذه المسافة، لا يكفي الحنين، ولا تنفع الأوامر. 

يحتاج الأمر إلى وعيٍ عميق بأن الجذور لا تُورّث بالكلمات، بل تُزرع بالمعنى. 


حين يرى الابن في والده نموذجًا صادقًا للخلق، حين يشعر أن القيم ليست عبئًا بل امتدادًا، عندها فقط تتحول الهوية من صراع إلى انسجام. 

فالأب الذي يحكي عن وطنه دون أن يعيشه في سلوكه، يورّث التناقض، لا الانتماء.


وهنا تبرز الحاجة إلى دمج التاريخ بالروح، لا كشعارات، بل كحياة. 

أن يُفهم الأبناء أن هذا التاريخ الذي نحمله ليس حنينًا جامدًا، بل تجربة إنسانية حيّة، فيها الصبر، وفيها الخطأ، وفيها القدرة على النهوض. 

أن يروا في سيرة محمد بن عبد الله مثالًا حيًا لا يُروى لمعاني الارتباط الوثيق بقيم وجذور تحتاج منا الرعاية والعناء لحصاد لا يموت .حينما خرج من أرضه ولم يفقد ذاته، 


وكيف عاش بين ثقافات مختلفة دون أن يذوب بصومعة فكرهم الغريب عن ثقافة امتداد جذور عربيتنا وأصالة الانتماء الوثيق وكيف عاد ليُصلح.ويرمم ويبني الأسس التي تصلح للإعمار حينما نلتزم قيم تأسيسها وإعمار الإعمار الحقيقي بغرس ما يشيد قوة وتماسك البناء .


إن هذا الربط بين التاريخ والواقع هو ما يصنع التوازن. 

فحين يفهم الأبناء أن الهوية ليست رفضًا للآخر، بل وعيًا بالذات، يصبح الاندماج قوة لا خطرًا. 

يتعلمون أن يحموا جذورهم دون أن يعادوا الأرض التي يقفون عليها، وأن يكونوا جسورًا بين ثقافتين، لا ضحايا بينهما.


ومع مرور السنوات، ومع تراكم التجارب، تبدأ رحلة لمّ الشمل الحقيقي؛ ليس شمل المكان، بل شمل الفكر والخلق. يعود الإنسان ولو لم يعد جسدًا إلى ذاته التي كادت تتشظى. يدرك أن الغربة لم تكن فقدًا كاملًا، بل اختبارًا عميقًا، وأن ما نجا منه في داخله هو ما يستحق أن يُورَّث.ويكتبه التاريخ يوما ما .


الانتصار لا يكون في العودة إلى النقطة الأولى، بل في القدرة على إعادة بناء النفس دون أن تفقد أصلها. وأصالتها 


أن يجلس الأب مع أبنائه لا ليُذكّرهم بما فقدوا، بل ليُعلّمهم كيف يحملون ما بقي. 


أن تتحول الحكاية من ألمٍ يُروى، إلى وعيٍ يُعاش.

ما بين مفاصل الهجرة، وبين صمت الليالي الطويلة، يتشكل جيلٌ جديد… 

لا ينتمي إلى مكانٍ واحد، بل إلى معنى. جيلٌ يعرف أن الجذور لا تُرى، لكنها ما يُبقي الشجرة واقفة، مهما تغيّرت الرياح.


العودة ليست مجرد خطوة إلى المكان، بل هي رحلة إلى جوهر الذات؛ روحٌ تنبض بالحياة، وقلبٌ يعمر بالرحمة، وفكرٌ يحلّق عالياً في فضاءات الوعي، وحضنٌ يجمع شتات التشرد وينسج من الفراغ مأوى للجميع. 


وفي خطوط الحكايات التي اندمجت مع التراب، نجد صدى كل وجع، وعبق كل ذكرى، ودفء كل لقاء، لتصبح الأرض نفسها مرآة للإنسانية، تحمل بين طياتها القدرة على العطاء والرحمة، 

ما نحمله معنابطريق العودة حقيبة السفر التي تراكمت عليها آثار الشوق وشقوق الحنين ليس مجرد أشياء، بل تراكمات الوجود: ذكريات غريبة، دروس الألم، بذور التجربة، ونوايا البناء التي تنتظر الأرض الخصبة لتزهر من جديد. 

بعد سنين الغياب، كل خطوة على ذات الأرض، وكل لقاء مع الأحباب، هو استثمار صامت لما زرعناه بأنفسنا، وما بقي من أثرنا فيهم. أما الرسالة العالقة بقيد الإفراج في معتقل الغربة، فهي رسالة الصبر والوعي: أننا لم نغادر روحنا، وأن كل غياب كان تجربة لتعلم كيفية العودة بلا ضياع، لنكون أكثر قدرة على الحب، وأكثر إدراكًا لقيمة المكان والزمان والناس الذين يسكنون القلب ، والذين معهم ينتم باقي الرحلة بلا غياب 


الكاتبة السورية هيفاء البريجاوي

يوميات ذاكرة بقلم الراقية فريدة الجوهري

 يوميات ذاكرة

إلى أرواح شهداء الحقيقة


عندما أسكن عينيكِ أخشى دمعة عذراء ترمي بي مفاصل الورد فتتلقفني شوكة القدر .أنا عاشقٌ لا يجيد الطيران دون أجنحة الأمل ولا يعرف كيف ينجو من حواف الحلم.

مازلتُ أرضاً صلبة تتمسك بثباتها في عمق محيطكِ .في يدي أحملُ عقم التاريخ ،وأشربُ الأزمنة المالحة جرعةً جرعة ،وأتدربُ على الصبر في مدرسة الغياب.

منذ أعمارٍ لا عدَّ لها ما زلت أنتظرُ القيامة ؛تلك اللحظة التي تستيقظ فيها الأرواح فتغسل تعبها الطويل بأكفٍ من نور ،وترتوي من نهر الطمأنينة.ربما في لحظة البعث أتمسكُ طرف ثوبك الملطخ بشريان الأرض المثقوب وأخبئ وجهي في دفء الحكاية التي لم تكتب ...

ربما نجلسُ معاً تحت سنديانةٍ لا تعرف السقوط في عشوائية العاصفة ؛سنديانة تحفظ أسرار الريح ،وتصغي لخطى الفصول ،ونترك للظل أن يجمع شتات أرواحنا؛حيث الوقت يمر بطيئاّ كراهبٍ ما زال يتهجى الصلاة .وربما ،ربما نضحك من تلك المسافات التي حاولت أن تفرّق بين قلبين التقيا ذات حلم.وربما...لم أعد أذكر عدد الامنيات المقطوعة الرأس ،ولا جرار النبيذ المكسورة على عتبات الغياب؛ولا صياح الديكة التي تعلنُ عن صباحاتٍ لم تكتمل ؛تعبت الذاكرة من تعداد أيام الإنتظار ومن عدد الخسارات التي تختبئ في تياب العمر.

هناك حيث لا زمان، ولا عقارب ساعاتٍ تشهد على عقم الوقت ،ربما يلتقي عاشقان ؛لا ليُعيدا كتابة الحكاية ؛بل ليراجعا معا يوميات ذاكرة ويفتشا بين السطور عن لحظةٍ نجت من الغرق في خضم الوجع .لحظة صغيرة كافية لتقول بكل ثقة ..الحب مرَّ من هنا يحمل وجع الحقيقة...

متاهات ضياع الإنسان بقلم الراقي مقبول عزالدين

 متاهات ضياع الإنسان...

في عمق الروح… حيث لا يصل صخب العالم،

تبدأ الحكاية… حكاية إنسانٍ ضلّ الطريق دون أن يشعر،

لم تبتلعه الطرقات، بل ابتلعته نفسه،

ولم تضعه الحياة، بل أضاع قلبه حين غفل.

يمشي بين الوجوه، لكنه لا يرى أحدًا،

ويُحيط به الناس، لكنه يشعر بوحدةٍ لا تُفسَّر،

كأنه يسير في متاهةٍ لا جدران لها،

كلما ظنّ أنه اقترب من الخروج… عاد إلى نقطة التيه.

تتشابك الطرق أمامه،

طريقٌ اسمه الطموح بلا معنى،

وآخر اسمه النجاح بلا روح،

وثالثٌ اسمه العلاقات بلا صدق…

فيمشي بينها، متعبًا، مثقلًا، كأنه يحمل ذاته على كتفيه.

يتساءل:

متى أصبحتُ غريبًا عن نفسي؟

متى صار قلبي لا يُشبهني؟

متى فقدتُ تلك البساطة التي كانت تجعلني أرى الجمال في كل شيء؟

إنه الضياع الذي لا يُرى…

ضياع الفكرة، وضياع المعنى، وضياع الإحساس،

حين يعيش الإنسان جسدًا حاضرًا، وروحًا غائبة،

يتكلم كثيرًا… لكنه لا يقول شيئًا.

وفي زاويةٍ ما من هذه المتاهة…

يظهر نورٌ خافت، ليس في الخارج، بل في الداخل،

يناديه بصوتٍ هادئ:

“عد… فأنت لم تُخلق لتضيع،

ولم تُوجد لتُرهق قلبك بهذا الفراغ.”

هناك، فقط، يبدأ الفهم…

أن الطريق لم يكن خارجًا، بل كان دائمًا في داخله،

وأن الخروج من المتاهة لا يحتاج أقدامًا… بل يحتاج قلبًا يقظًا.

فيعود…

يُرمم ما انكسر،

ويُحيي ما مات،

ويُصالح نفسه التي أهملها طويلًا.

فالإنسان لا يضيع حين تتشعب الطرق…

بل يضيع حين يفقد نفسه بين تلك الطرق.

********

في لحظات السكون العميق، حين يهدأ صخب العالم وتخفت ضوضاء الوجوه العابرة، يجلس الإنسان مع نفسه جلسة صدقٍ لا يُجيدها كثيرون… يتأمل، يتساءل، ويكاد قلبه ينطق قبل لسانه:

ما الذي جرى لنا؟ ومتى انقلبت الموازين حتى أصبح المعروف غريبًا، والوفاء نادرًا، والصدق عملةً لا يتداولها إلا القليل؟

كان الإنسان في الأمس بسيطًا في عيشه، عظيمًا في خُلقه، يملك القليل لكنه يُعطي الكثير، يفرح بعطاءٍ يسير وكأنه امتلك الدنيا، ويُواسي بكلمة صادقة كأنها بلسمٌ للجراح.

لم تكن القلوب مثقلة بالحسابات، ولا الأرواح مرهقة بالمقارنات… كان الصفاء سيد الموقف، وكانت النوايا تُقرأ من العيون قبل الكلمات.

أما اليوم، فقد تغيّر شيءٌ عميق…

تبدّلت النفوس، أو لعلها أُثقلت حتى نسيت حقيقتها.

صار البخيل يُمسك بيده وكأن العطاء يُفقره، ونسي أن الرزق بيد الله، وأن ما يُنفقه يعود إليه أضعافًا في صورٍ لا يتخيلها.

وصار العنيد يُكابر، يرفض الاستماع، وكأن التراجع عن الخطأ انكسار، مع أن الرجوع إلى الحق شجاعة لا يملكها إلا الصادقون.

أما القلوب… فقد قست، أو ربما تعبت من كثرة الخيبات، حتى أغلقت أبوابها، فلم تعد تضعف أمام إنسان، ولا تخشع لربٍّ إلا من رحم الله.

أين ذهبت تلك الطيبوبة التي كانت تُزيّن العلاقات؟

أين اختفت صلة الرحم التي كانت تُجمع القلوب قبل الأجساد؟

أين الجود الذي كان يسبق السؤال، والحنان الذي كان يداوي دون مقابل؟

أين إنسان الأمس الذي كان إذا وعد وفى، وإذا أحب صدق، وإذا أعطى أكرم؟

لقد غاب الكثير…

غابت الإنسانية حين أصبح الإنسان يُفكّر في نفسه أولًا وآخرًا، وغابت الرجولة حين لم يعد الضعيف يجد من يسنده، وغاب الناصح لأن الناس لم تعد تُحب من يُواجهها بالحقيقة، بل تُفضّل من يُجاملها ولو على حساب ضياعها.

لكن الحقيقة التي يجب أن نُدركها، رغم قسوتها، أن الزمان لا يتغيّر من تلقاء نفسه…

بل نحن من نُغيّر ملامحه بأفعالنا، نحن من نصنع قسوته أو رحمته، ظلمه أو عدله، ظلامه أو نوره.

فالزمان مرآة الإنسان… إن صلحنا صلح، وإن فسدنا انعكس فسادنا على كل شيء.

ومع ذلك…

لا يزال في الدنيا بقية نور، لا يزال هناك من يُعطي دون انتظار، ومن يُحب بصدق، ومن يُسامح رغم الألم، ومن يُنصت بقلبه قبل أذنه.

هؤلاء هم الأمل… هم الشعلة التي تُبقي المعنى حيًا، وتُثبت أن الخير لا يموت، بل يضعف أحيانًا وينتظر من يُحييه.

فلا تيأس…

ولا تجعل قسوة الواقع تُطفئ ما فيك من نور.

كن أنت الكلمة الطيبة حين يكثر الصمت، وكن اليد الكريمة حين يُمسك الآخرون، وكن القلب الرحيم حين تقسو القلوب.

فالعالم لا يحتاج إلى مزيدٍ من القسوة… بل إلى قلبٍ واحدٍ صادق يُعيد التوازن.

اللهم يا من بيده القلوب ومفاتيحها، أصلح قلوبنا قبل أحوالنا، وطهّر نفوسنا من القسوة والبخل والغرور.

اللهم ازرع فينا الرحمة حتى نرحم، والتواضع حتى نلين، والصدق حتى نكون كما نُحب أن نُرى.

اللهم اجعلنا من أهل الجود لا البخل، ومن أهل الحِلم لا العناد، ومن أهل الخشوع لا القسوة.

اللهم ردّ إلينا إنسانيتنا ردًا جميلًا، وأحيِ فينا صلة الرحم، وألّف بين القلوب، وامحُ من صدورنا الحقد والحسد.

اللهم ارفع الظلم عن المظلومين، واكشف الكرب عن المكروبين، وبدّل حال الأمة إلى أحسن حال، واجعلنا مفاتيح خيرٍ مغاليق شر.

اللهم لا تجعل الدنيا تُقسّي قلوبنا، ولا الابتلاء يُضعف إيماننا، واجعلنا من الذين إذا أُعطوا شكروا، وإذا ابتُلوا صبروا، وإذا أخطؤوا استغفروا.

وفي الختام…

يبقى السؤال مفتوحًا، لكن الجواب ليس بعيدًا…

فالإنسانية لا تغيب إلا حين نُطفئها نحن، وتعود حين نُشعلها من جديد في داخلنا.

فكن أنت البداية…

لعل قلبك يُنقذ ما تبقى من جمال هذا العالم.

د.مقبول عزالدين

أنت يا شعر بقلم الراقية رفا الأشعل

 كتبتُ مجاراة لقصيدة أبي القاسم : "قلت للشعر"


أنت يا شعر صورة من وجودِي

فيك من حاضري وأمسي البعيدِ


أنتَ أكوانٌ من خيالٍ تجلّى

فيهِ سحرٌ فوقَ النّهى والحدودِ


فيكَ ما في عوالمي من ضجيجٍ

فيك ما فيها من سلامٍ عهيدِ


فيك ما في دربي من الشّوك يدمي

فيك ما فيه من ضيا وورودِ


فيك ما في مشاعري من حنينٍ 

فيك ما في خواطري من شرودِ


فيكَ فجرٌ من الضياء تماهى 

ينثر التّبرَ فوق كلّ صعيدِ


فيكَ ليلٌ نجومهُ كالدّراري 

لامعاتٌ على غلائلَ سودِ


فيك سحرُ الحياةِ سكرى تغنّي

فيك ( عبء الحياةِ جمّ القيود)


فيك حزني وأدمعي وعذابي 

فيك أنسي وفرحتي ونشيدي


فيك روح الرّبيعِ تختالُ نشوى 

وخريفٌ من ذابلاتِ الورودِ


أنتَ يا شعرُ بسمة في حياتي 

منقذي من أخطار دربٍ كؤودِ


سندي أنتَ في حياةٍ تجنّتْ

بينَ أهلٍ قلوبهمٌ من حديدِ


أنتَ قدسي ومعبدي وصلاتي

ملجئي من ظلامِ هذا الوجودِ


أنتَ كأسي وخمرتي وانتشائي 

أنت قيثارتي ونائي وعودي


ولحونٌ جمالها سرمديّ

صفحةٌ تتلى من كتابِ الخلودِ


                   رفا رفيقة الأشعل

               على تفعيلات الخفيف

طال الفراق بقلم الراقي علاء الدين علي محمد

 طال الفراق بقلمي: علاء الدين علي محمد جمهورية مصر العربية طال الفراق، واشتقتُ إليكِ، حاولتُ الهروب، فهربتُ منكِ إليكِ. إن نسيتِ، فلم أنسَ ل...