“التحوّل”
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
ستوكهولم – في 18.07.2025 | نُقِّحت في دريسدن 18.11.2025
لم تعد رواية التحوّل التي كتبها فرانتس كافكا مجرد عمل أدبي نقرأه، بل أصبحت تجربة يعيشها كلّ واحدٍ منّا بطريقة ما.
كأنّ الإنسان في هذا العصر يختار شكله الجديد، ويمشي نحوه وهو يفتقد إحدى حواسه.
نحن جميعًا أصبحنا نستيقظ كلَّ صباح وفي داخلنا شيءٌ يتغيّر، وبشعور متزايد بأننا نبتعد ونتباعد عن أنفسنا.
لقد فقدنا علاقتنا بصناعة القيم وترسيخها؛ أصبحنا نتركها تتبعثر، ثم نعيد تسمية الأشياء بما يريحنا لا بما تعنيه:
نسمّي العتمة ضوءًا مسروقًا، والصمت حكمةً لا تؤذي، ونعتبر الأمل دليلاً على القدرة على البقاء، ونقدّم الصبر كعلاجٍ لأي عجز لا نملك تفسيره.
وبهذه الطريقة، نحن لا نعيش رواية التحوّل، بل نعيد كتابتها يوميًا، وبلا توقف.
⸻
التحوّل
تحت ظلّ غايةٍ غامضة،
تدفعنا موجةُ الطمع حتى في الظلام؛
ندخله ونختفي ونسمّيه البهجةَ المزوّرة،
أو عتمةَ الحقيقة بلا ملامح.
نخوض في تفاصيل أشبه بالرثاء،
ونحبّها… لنتبرّأ،
حتى ولو قيل لنا: مهزومون، اتكاليون، منهارون
مثل زورقٍ مقلوب.
ننتبه… ونتحسّس، لكن اللعبة أعمى منّا؛
تختبئ في زواياها شظايا الإنسان،
الغارق في نبعٍ
لا يتذكّر متى جفّ، وهل له حلمُ يقظة؟
ولو بساقيةٍ تُفرِح الضفادع.
نُولد وفي عروقنا خيطٌ من الأمل؛
نصنع منه ثوبًا،
ونرقّعه بخيوطٍ مستعارة،
ويزداد إن ثقبه القهر.
لكن التفكيرَ المنفرد يصنع الحرب بين الجسد والروح،
ويجعل الأخلاق زينةً ثقيلة
تُلقى عند أول صرخة،
وننهزم بصمت.
حُرّاس القيم يضعونها تحت أحذيتهم،
ويقولون إنهم يحمونها.
ويحذّرونا من صعوبة الطريق؛
ربما يتبدّل شكل الحصى
ويصير بلاطًا جميلًا،
يضاهي بهجةً
كانت يومًا تستوطن التراب.
كلُّ شيءٍ ينتهي،
ويبدأ من جديد…
لكن لا أحد يعود إلى الاتفاق مع نفسه.
وننكر… حتى نرى وقودَ العزلة يحرقنا.
ولا نريد أن تُسرق منّا صفةُ الوحدة الحرّة،
حتى ولو انحنى القوام
وصار جذعًا بلا ورق؛
مأوى لوحشةٍ لا اسم لها،
لكوننا نخشى رِقّة العطاء.
نُجبَر أن نعود
إلى ما هربنا منه: الإنسان.
هربنا منّا،
ودخلنا أقفاصًا
كأقفاص السلاحف،
ولم نعد نقبل شرنقتنا،
لقسوة الطيور وهي تنقرنا في غفوتنا،
فلا موعد يُعاد ترتيبه من جديد.
من سينظّم هذه الحواس
حين تتأرجح القيم؟
هل نملك القدرة؟
وكم أخشى أن أرى صيفًا يتذمّر،
وأعشاش العصافير تُبنى من حولنا،
كأنّ الحياة تمضي بلا أن تُحسّ بنا.
لكنّنا نُهملها مثل أوراقٍ
في مهبّ الريح.
نتحوّل إلى ما يروق لنا،
ونُبعد شبهات البهجة والسرور،
نحبّ الحزن للنجوى،
كأنّ الفرح تهمة،
والحزنُ مقياسُ المروءة.
ولأنّ الوحل لم يمت،
نرى المطر في نشرات الأخبار،
في المكاتب،
في قاعات البرلمان،
ونهتف:
ما أكثرنا تحت جحيم الحرية المصنّعة،
بعيدًا عن مواقع الأخلاق.
كنّا نظنّ أنّنا تجاوزنا التحوّل،
لكنّنا في مفترقٍ
في اتجاهٍ واحد.
لسنا كائنات كافكا — ذبابًا، صراصير، عناكب —
لكنّنا نحاكيها بنُسخٍ ملساء،
تخشى الضوء،
وتُتقن لغة الظلام.
ازدراءُ الإنسان أخطر من كلّ الحروب.
وحين تُشفى الحشرات،
يمرض البشر،
حين ننسحب من وظيفة رعاية الكون.
ما نحتاجه
ليس ضوءًا فقط،
ولا لغةً أكثر عطاء،
بل إعادةَ صياغةٍ للأخلاق،
قبل أن نصحو ذات صباح
دون أن ن
جد إنسانًا واحدًا
لم يتحوّل بعد.
والتحوّل القادم…
أن نصير أرقامًا
تُتلى أكثر ممّا تُنادى.
طاهر عرابي – دريسدن