جدي وأنا
أ.د. زياد دبور
في ظلّ الجبل القديم جلسنا،
أنا وشيخٌ يحملُ الزمنَ في عينيه،
تتدلّى من عباءته حكاياتُ البوادي،
وتنبتُ من أصابعه جذورُ الحق.
قال: "سأعلّمك ما لا تكتبهُ الكتب،
وما لا تشرحهُ المدارس،
درسًا يكفيك لطريقٍ طويل:
الناسُ مرآةٌ مكسورة."
"زمنكم هذا غريب،" قال،
"يبحثون عن خطاياك كالجوارح،
فإن عزّ عليهم الصيد،
اخترعوا لك جرحًا من سراب."
صمتُّ أتأمّل خارطة وجهه المتعب،
خارطةَ بلادٍ عبرها مرتين:
مرّةً بالفرح، ومرّةً بالخيبة،
فنقش المساران تجاعيد الحكمة.
"كن كالماء،" علّمني،
"تعرِف متى تغمر، ومتى تنحسر،
فالنجاحُ يجلب الذباب،
والطيبةُ تُغري الجوعى بالنهش."
"إن أنصفتَ، أبغضوك،
فالعدلُ يفضحُ ظلمهم،
وإن صدقتَ، خانهوك،
فالصدقُ يخلعُ أقنعتهم."
قلتُ بدهشة: "وماذا أفعل يا جدّي؟
أصيرُ شريرًا لأكسب قلوبهم؟
أتخلّى عن نبضي كي أسلم؟
هل الشرُّ دربُ النجاة؟"
ضحك حتى ارتجفت كتفاه،
وقال: "لا تفهمني خطأً يا ولدي،
ما دعوتُك لتصير ذئبًا،
بل لأُريك وجهَ القطيع."
"كن قمحًا لا شوكًا،
كن نبعًا لا سرابًا،
كن نورًا لا ظلًا،
لكن... لا تعطِ قلبك للريح."
"انظر إلى كفّي،" قال،
"أصابعي خمسة، من جذرٍ واحد،
لكنها لا تتساوى،
فكيف تتوقعُ عدلَ القلوب؟"
حين غادرتُ، نثر حكمته
كبذورٍ في مهبّ الريح،
ومشيتُ، وكلماته تمشي معي
ظلًّا يطولُ حين أتعب،
ويقصرُ حين أشتدّ.
تذكرتُ حينها أن الطين
كان أصدقَ من الذهب،
وأن القلبَ الذي يتشققُ ويلتئم
أقوى من قلبٍ لا يشعر.
وحين سألوني: "ما علّمك الجد؟"
قلت: "علّمني أن أحمل قلبي بيدي،
وأمشي به وسط ذئاب العالم،
وألا أنسى الطريق إلى نفسي...
يوم نسي الآخرون طريق أرواحهم."
*. © زياد دبور ٢٠٢٥
جميع الحقوق محفوظة للشاعر