دُجَى الْعِصْيَان
خُلِقْنَا مِنْ طِينٍ
نُدَاسُ تَحْتَ أَقْدَامِ الْعُصُورِ
كُلَّمَا ظَنَّ الزَّمَنُ
أَنَّ الْمَطَرَ أَذَابَنَا
نَنْهَضُ…
نَصْرُخُ فِي وَجْهِ الْأَيَّامِ بِاحْتِرَاقٍ
أَيُرْجِعُ الدَّمْعُ رَحيلَ عَزيز؟
أَمْ يُثْنِي النَّحِيبُ رَحَى الدُّهور ؟
تَمْضِي اللَّيَالِي وَروحي رَهِينَةُ الدُّجَى
تُرَاوِحُ بَيْنَ نُكْرَانِ النَّفْسٍ وَالْجُحُودِ
تَنَامُ عَلَى حَافَّةِ التَّوْبِ خَوْفًا
وَتَصْحُو عَلَى وَجَعٍ لَا يَلِينُ
تَجُورُ السِّنين عَلَى كُلِّ حَيٍّ
تَكْشِفُ مَا خَبَّأَهُ الْجَبِينُ
فَلَا الْعَرْشُ يَخْلُدُ وَلَا الْمُسْتَكِينُ
وَيَبْقَى جَمْرُ الْأَمَلِ الدَّفِينُ
فِي قَاعِ صَدْرٍ تَكَسَّرَ فِيهِ الصَّدَى
كَقَلْبِ نَبِيٍّ تَحَدَّى الْأَنِينِ
يَزْرَعُ نَبْضَ التَّكْوِينِ
فِي الْعَتْمَةِ الْمُسْتَحِيلَةِ
وَيَخْتَرِقُ الْقَلْبَ نِدَاءُ اْلجَلِيلِ
عَبْدِي…
قَدْ آنَ أَنْ تَقْتَرِبْ
مَوْعِظَةٌ تَرُجُّ كَهْفَ الضَّيَاعِ
تُوقِظُ فِينَا رَمَادَ الْأَنِينِ
فَتَبْكِي الْعَثَرَاتُ فِي مُقْلَتَيَّ… أَتُوبُ
لَكِنَّ طَيْفَ الْهَوَى يَنْقُضُ تَوْبَتِي
كَسَيْفٍ سُلَّ مِنْ كُنْهِهِ
أَسْتَغْفِرُ مِلْءَ فُؤَادِي
لَكِنَّ بَقَايَا الصِّبَا
تَثُورُ فِي صَدْرِي الْأَسِيرِ
ذُقْتُ وَمْضَةَ مَسَرَّةٍ
مِنْ نَزْفِ ظِلِّي
عَبَسَ صَرْفُ الدَّهْرِ
حَتَّى شَابَ فِي وَجْهِي النَّهَارُ
وَاجْتَاحَ دَرْبي كَبَحْرٍ هَصُورٍ
يَلْطِمُ شَاطِئًا قَفْرًا
يَذَرُ أَطْلَالَ ضَحِكَاتِي رَمَادًا
غُفْرَانَكَ رَبِّي
إِنْ لَمْ أَبْلُغْ مَقَامَ مَحَبَّتِكَ
قَدْ يَشْفَعُ لِي
ارْتِجَافُ قَلْبِي مِنْ خَشْيَتِكَ
أُقِيمُ اللَّيْلَ شَوْقًا لِنُورِ عَفْوِكَ
تَجُولُ أَنَامِلِي عَلَى أَوْتَارِ ذِكْرِي
توقِظُ أَوْجاعاً مرَّت بسِرِّي
تَتَسَاقَطُ عَلَى هَمْسِ النَّدَمِ
تُوَهِّجُ شُمُوعَ الرَّجَاءِ
طَالَ صَوْمِي وَمَوَائِدُ إِفْطَارِي
غَمَرَتْها غَصَصُ الْعَوَزِ
تَكْسِرُ خُبْزِي عَلَى ضِلْعِ الْكَدَرِ
حَلِيفَ الهَمِّ، نَدِيمَ السَّحَرِ
كُلَّمَا صَاحَ الْمُسَحِّرُ فِي أَزِقَّةِ الذِّكْرَيَاتِ
ارْتَجَفَ صَدَى طُفُولَتِي كَطَبْلِ الدَّهْرِ
أَرْكُضُ خَلْفَ أَنْفَاسِي التَّائِهَةِ،
تَئنُّ خُطُوَاتِي فِي دَهاليزِ الشُّرودِ
أَستَجدي نَبْعًا جَفَّ مِنْ حَرْقَةِ الوَجْدِ
تَعِبْتُ مِنْ صِرَاعي الْكَبِيرِ
تَمَرُّدَاتِ ذَاتِي، رَغَبَاتِي
أَجُوبُ خَلْفَ سَحَابِ حَنِينٍ
كَزَهْرَةٍ ذَابِلَةٍ فِي كَفِّ الْخَواء
وَعَلَى شِفَاهِ الْجَدْبِ يَتَلَوَّى الْعَطَشُ
يَا رَبِّ…
نَسَجَتِ الْآثَامُ نِقَابَ خَيْبَتِي
فَأَيُّ صَلَاةٍ تُفَتِّتُ الْخَطَايَا؟
وَأَيُّ نَسْمَةِ عَفْوٍ
تُخْمِدُ نَارَ الذُّنُوبِ؟
(أَمَّنْ يُجِيبُ ا
لمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ
وَيَكْشِفُ السُّوءَ)
الشاعر:حسن آل مراد