«تفاحة الفوضى»
قصيدة رمزيّة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 26.8.2024 | نُقِّحت في 13.10.2025
ليست هذه القصيدة عن تفاحة، ولا عن جدول ماء،
ولا عن قرد طائش أو دود نافذ إلى القلب.
إنها قصيدة رمزية سردية عن الأخلاق حين تغرق في تيار الحياة.
إنها مرآة معلّقة على جدار الوعي،
لا تعكس صورًا فحسب، بل تفضح هشاشة القيم
حين تصطدم بجريان العالم.
بين السقوط والمقاومة، بين الفوضى والنظام، أقدّم مشهدًا رمزيًا حيًّا،
حيث تتداخل الطبيعة مع الأخلاق،
ويقف الكائن الحي، أيًا كان، وجهًا لوجه أمام سؤال:
هل نملك حقًّا فرصة للفهم… قبل أن تبتلعنا النهايات؟
في هذا النص نغرق مع التفاحة، نرتبك مع الدود،
نراقب صمت الضفادع، ونفهم، ربما،
لماذا يرقص القرد من لذّة الفساد…
بينما تظل الينابيع وفيّة لتدفقها.
⸻
تفاحة الفوضى
1
سقطت تفاحةٌ حمراء في ماءِ الجدول الوديع،
تتراقص مع خفّته،
خفيفةً كنسيمِ السرابِ المقنَّعِ بالبكاءِ بلا دموع،
تعكس حزنَ السقوط وتثير شفقة الفراق،
وتبعها الغصنُ بنظراتِ خيبةِ العجزِ الرهيب.
في داخلها دودٌ يتغذّى في العتمة،
كأنّه ملكُ الكونِ في غلافٍ من الرفاهية،
لا أحدَ ينازعه على سأمه اللذيذ،
ولا على ابتذالِ الفهم في رسمِ ثقبِ الخروج.
لا تفكيرَ في مصير،
ولا مصيرَ يدخل عتمتهُ ويدعوه للحذر.
أحسّ بالسقوطِ المدوي،
وغمره الماءُ حتى الرقبة.
زحفَ متذكّرًا طريقَه، وأطلّ برأسه،
يفكّر كيف يوقفُ الجدولَ الأحمق،
ويُعيدُ التفاحةَ إلى الغصن،
ويحذّرها من السقوطِ في خيبةٍ مؤذية.
يا لها من مصيبةٍ تفوّقت على حذري،
كيف قطعَ عرموشُ التفاحةِ ولم ألمسه؟
خيبتي في الجهل،
وجشعي في البذور،
وقناعتي بتلاحمِ القلوبِ هي كفني أنا.
2
صرخت الدودة بعدَ بلوغِ الفشل:
أأنا الغادرُ… أم الضحية؟
البريءُ الذي بلعَ الرعبَ صامتًا،
وكأنّ أحدًا لم يُصغِ
لصرخةِ مخلوقٍ يتعذّب.
وكان للعتمةِ صدىً مخنوقٌ
في مذلّةِ القهر.
كلُّ شيءٍ يتلفّت إلى نفسه
عندَ اقترابِ الفناء.
لا بدَّ من المقاومةِ في ساعاتٍ
لا يسمّونها حربًا،
لكنّها جريمة.
الماءُ غبيٌّ ومشاركٌ ولا يتوقّف،
والتفاحةُ تواصلُ رقصاتها الجنونية،
كأنّها تهربُ إلى غربتها بفرح.
إنها تفاحةٌ منافقةٌ كئيبة،
لم تُخبرني بأيِّ حزنٍ
حين وصلتُ إلى بذرها.
اليومَ يُعلنُ الدودُ الحزنَ والعجزَ الكامل،
لا مجالَ للمقاومة.
خذلَنا النهرُ والتفاحةُ
وكلُّ ما نملكُ للبقاء.
حتى لو قفزتُ لإيقاف التفاحة،
ستقتلني الضفادع.
هل أطلبُ اليأسَ بثوبٍ أجملَ من القهر؟
ألا يكفي أني أسبحُ في ظلامٍ دامس،
ولم يكن لي خيارٌ
في بذرِ التفاح،
ولا في قضمِ أشجارِ النخيل؟
أأنا المخلوقُ الزائدُ عن حاجةِ الحياة؟
3
أيّتها الأقدار،
إني بحاجةٍ إليكِ الآن.
من عاش في العتمة
أنانيٌّ ونزِق،
يأكلُ بذورَ التفاحةِ
كأنّه في مملكةِ الوحدة.
ستكون نكسةَ الأخلاق،
لكن لا بدَّ من قولِ الحقيقة،
والزوالُ يقترب.
إذا انحنت الأقدارُ لنجدتي،
تكون قد قتلت النهر،
وهذا جرمٌ قبيح.
سمعتْه الأسماكُ، وتبعته بحذر.
كانت صرخةً من الأعماق
تطلبُ انهيارَ اليأسِ بلغةٍ ألطف.
قالت الأسماك، متهكمةً فضولية:
«سنرى كيف يتحوّلُ العجزُ إلى نجاح،
وكيف تبدو الوقاحةُ في ثوبِ الشفقة.
لكن العقابَ يمضي نحو الدود،
والتفاحةُ مركبٌ سيرسو دون أذى.
كيف يتوسّلُ الدودُ
وهو الذي اخترقَ قلبَ التفاحة؟
نفتقدُ سلاحَ الخجل
للعبورِ نحو الحقيقة.
لم نعد نخجل،
القاتلُ يطالبُ بعقابِ الضحية،
صدقونا، إنها مرحلةُ الخيبةِ بلا أفق».
الضفادعُ تقفزُ في صخب،
تلهو بغيرِ اكتراث.
قالت إحداهنّ:
«لنأخذ موقفَ الحياد.
حين يتوسّلُ الدودُ،
فهذا يعني أنّ الجريمةَ وقعت،
وهو يريد الفرار.
من يصمت لا يحتاجُ إلى شفقةِ اليأس.
كان للدودةِ خيارُ الموتِ جوعًا
بدلَ الأذى للتفاحةِ البريئة.
إنّها مجرّدُ دودة،
وعليها قبولُ الموت،
ولن يبكيها حتى ظلُّ التفاحة».
4
تجمّعت الطيورُ تدور فوق الجدول،
من ينقضّ أولًا يربحُ معركةً رخيصة.
السمكُ أشهى من الضفادع،
والتفاحةُ المريضةُ ستترنّحُ على الصخور،
حتى يموتَ الدودُ في سكينةِ المكان.
كلُّ شيءٍ رتّبه القدر،
دون أن يحملَ عصًا أو حجرًا.
قردٌ صغيرٌ قفز خلفَ التفاحةِ بشغف،
يحبّها محلّاةً بالدودِ واليأس.
غصنٌ كبيرٌ أوقف جريانها،
فأمسكَ القردُ بالتفاحةِ برفق.
لكن طائرًا انقضّ على سمكةٍ مذهولة،
من نهايةِ التفاحةِ ومملكةِ اليأس.
اختفت الضفادعُ خلف الغصن،
لا تُتّهم بشيء،
لا بحزنِ التفاحة،
ولا بغيابِ السمكةِ
التي كتبتْ لها الأقدارُ الفناء.
تتلاشى الفوضى في فمِ القرد،
ويبقى الهدوءُ في الأفق.
لا جريمةَ، ولا عقاب،
بل إرادةُ الكونِ في دوامِ الحياة.
تحزنُ الأسماك، وتفرحُ الطيور،
ويسقطُ التفاحُ في عتمةِ الصمت،
ويرقصُ القردُ من لذّةِ الدود،
وتبقى الضفادعُ وفيّةً للجدول،
والجدولُ وفيًّا للينابيع.
كلُّ هذا الكذبِ يتخلّله الحزنُ والبهجة،
يطليهِ اليأسُ بلونِ الوداع،
وتقبلهُ المخلوقاتُ
لتعيشَ أكثرَ بلاغةً في حبكِ الحجج.
كلُّ شيءٍ سيصلُ إلى نهايته،
والسرُّ يكمنُ في المسيرة.
طاهر عرابي – دريسدن