سيمفونية الحب الكوني: رحلة من العدم إلى الأبدية
قبل كل شيء، قبل الضوء، قبل الصوت، قبل الحركة،
كان هناك العدم،
صامتٌ بلا صدى، بلا شكل، بلا اسم، بلا زمن.
وفي قلب هذا العدم، كما لو أن الكون نفسه يتنفس خفية،
ظهرت نبضة صغيرة، اهتزازٌ هادئ في اللاشيء،
تسرب إلى الفراغ، يتساءل بلا سؤال،
ولدت بذرة الحب،
غير مرئية، بلا صدى، بلا وجود مادي،
ولكنها كانت البداية،
أول إدراك للوجود في قلب العدم.
الحب يولد من الصمت،
يولد من الفجوة بين الوعي والعدم،
حين يدرك القلب أن وحدته ليست نهاية،
وأن كل شيء فارغ بدون الآخر،
وأن كل كائن، وكل شعور، وكل فكرة،
هي انعكاس لما يختبئ في الفراغ،
وأن هذا الفراغ ليس بلا معنى،
بل هو المكان الذي يولد فيه كل معنى.
الحب يولد في السؤال، لا في الإجابة،
في اللحظة التي لا نملك فيها شيئًا،
حين يصبح البحث عن الآخر رحلة في أعماق النفس،
حين يكون الألم والموت والغياب مجرد أبواب
تفتح على إدراك جديد للوجود،
حين يصبح القلب مرآة للكون،
والروح انعكاسًا للوجود ذاته،
والزمن مجرد موجة تمر بنا بلا توقف.
الحب يتسرب إلى كل شيء،
إلى الفراغ، إلى الضوء، إلى الظل، إلى الصمت، إلى الصوت،
هو قوة كونية تتجاوز الجسد والفكر،
يتجاوز الإنسان والكون معًا،
يصبح الريح التي تحرك المجرات،
والنهر الذي يشق الصخور،
والنار التي تولد من البرد الأبدي،
والظل الذي يعطي الضوء عمقًا،
هو الشرارة التي توقد كل ولادة،
والفراغ الذي يختبر كل نهاية.
الحب يولد، ينمو، يتحول،
يختبر الزمن كما يختبر العدم،
ينمو في القلب، يملأ الروح،
يتسرب إلى كل فكرة، إلى كل إحساس،
إلى كل حلم لم يولد بعد،
يصبح لغةً تتحدث بها النجوم،
وغناءً يسمعه الكون كله بلا صوت،
رمزًا لأبدية لا تعرف موتًا،
ولا ولادة محددة،
بل سلسلة لا نهائية من اللحظات المتشابكة.
الحب يولد من الفقد، من الألم، من الصمت الطويل،
من الانتظار، من الخوف، من الشوق، من الدهشة،
يولد حين تتفتق الأرواح عن نفسها،
حين يصبح الآخر ليس مجرد شخص،
بل بوابة إلى الكون بأسره،
حين تدرك الروح أن كل لقاء لحظة أبدية،
وكل لمسة نهر من الأبدية،
وكل فراق درس في ولادة جديدة.
الحب قوة كونية وميكانيزم وجود،
هو القانون الأول، والسر الأخير،
هو الصوت الذي يخرج من العدم ليصنع الحياة،
هو الضوء الذي يكشف الظل،
هو الشلال الذي يملأ الفراغ،
هو الملحمة التي يلعبها الكون مع نفسه،
يولد ويختفي، يعود ويولد من جديد،
يولد في كل قلب، في كل فكرة، في كل شعور،
حتى في كل ذرة، في كل موجة، في كل صمت.
الحب، حين يولد، يعلمنا أننا أكثر من مجرد كائنات،
نحن أدوات الكون ليعرف ذاته،
وأنه لا معنى لوجودنا بلا تدفق هذا الحب،
وأن كل نبضة قلب، كل شعور، كل دمعة، كل ابتسامة،
هي انعكاس لهذه القوة التي تتجاوز كل حدود.
هو الفراغ الذي يصبح مكانًا،
والصمت الذي يصبح موسيقى،
والعدم الذي يصبح وجودًا،
والظلام الذي يولد الضوء،
والنهاية التي تفتح على ولادة جديدة،
كل لحظة، كل نفس، كل وعي،
هو الحب الذي يولد من العدم،
ويعود إليه،
ثم يولد من جديد…
الحب رحلة مستمرة، لا تنتهي،
ملحمة أبدية، سيمفونية للكون نفسه،
كل لحظة فيها ولادة، وكل لحظة فيها موت،
كل شعور فيها صدى، وكل فكر فيها نجم،
كل دمعة فيها محيط، وكل ابتسامة فيها شمس،
كل قلب ينبض فيها قطعة من الأبدية،
وكل روح فيها انعكاس للحب الذي لا يُدرك إلا بوعي كامل،
وعي يعرف أن الحب ليس حدثًا،
بل وجودٌ أزلي، قوة كونية،
رحلة لا تتوقف، ولادة مستمرة،
سيمفونية تدور بين العدم والوجود، بين الفراغ والنور، بين الألم والفرح،
لت
علّمنا أن الحب هو الوجود ذاته…
وأن الوجود ذاته هو الحب.
الشاعر : عاشور مرواني – الجزائر