„نفقٌ في القلب… إلى فلسطين “
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 2011 | نُقِّحت في 13.10.2025
لم تسعفني الجهاتُ يومًا،
حتى اكتشفتُ أن الطريقَ إلى فلسطين لا يبدأ من حدودٍ ولا جوازاتِ سفر،
بل من نفقٍ خفيٍّ، يحفره الحنينُ بصمتٍ،
وتمهّده العودةُ والخطايا والذكريات.
لم أكتب هذه القصيدة لأروي حكاية،
بل لأتلمّسَ في العتمةِ وجهي المفقود،
ذلك الذي تركتُه يومَ ضاعت الملامحُ بين الحلم والمنفى، بين القسوة والكذب.
أردتُ أن أرى أمي وهي تعبرُ عائدةً إلى فلسطين،
وأبي وهو يرتّبُ مواعيدَ الزرعِ والحصادِ على رؤوسِ أصابِعِه،
وأنا… طفلُ العودة.
حين أغمضتُ عيني على حنينٍ لم يكتمل،
صارت الأمنيةُ كرةً من خيوطٍ مقطّعةٍ سوداء،
فيها وميضٌ فضّيٌّ يجرّ ظلالَه فوق الأسلاك،
وصرتُ أخافُ أن أصحو فلا أجدَ الوطنَ في صوتي،
والكرةُ السوداءُ تلتهمُ وجهي.
هذا النصّ محاولةُ نجاةٍ بالحروف،
بحثٌ عن عبورٍ آخر لا تحدّه الجدرانُ، ولا تحرسُه البنادق.
نحن وجدانٌ يُقاومُ النسيان،
وصلاةٌ تُقام في نفقٍ من القلب،
حيث يلتقي الحلمُ بالدم، والعبورُ باليقين.
⸻
نفقٌ في القلب… إلى فلسطين
1
تلاحقني الكلماتُ،
فأشتهيها أغانِيَ على شفتي،
لكنني أخشى صمتَ السمع،
فأبدّلُ الفرحَ مقهورًا بالأماني،
وأدخلُ في حوارٍ لا يفهمني،
أُتَّهمُ فيه بالتلكّؤ والصبر،
ودفتري مكسورُ الحروفِ الزجاجيّةِ الجارحة.
وفوق القلقِ يتكاثرُ حشدٌ
من الكذّابين… يضربون عن التفاهم،
حتى لا تجدَ الروحُ سكينةً، ولو لثوانٍ،
حتى لا ترحمني رموشُ الأرض،
وتُخبئني رهينةً ليومٍ سيكون شاهدًا
على محاسبةِ الوفاءِ والنقاءِ،
اللذين تخطّيا زمنَ المعذرةِ، وصارا متَّهَمَيْن.
2
نهرتني أمي بعد أن حفظتْ قسماتِ وجهي،
وقالت: قاومْ كلَّ شيءٍ يقتنصُ روعةَ حقِّك،
فلن نختفي في السماء،
حتى لو كنّا عصافيرَ حجريةً
تطيرُ بقدرةِ عواصفَ عاتيةٍ.
ولن نبحرَ بلا شاطئ،
حتى لو كنّا زَبَدًا نطفو على شفاهٍ
لن تنطقَ بحروفٍ حنطيةٍ،
حتى ولو كانت عيناك حنطيتين.
سنبقى مثل السنين،
لها الشمسُ، والقمرُ، والأبدُ،
وسخاءُ غيمةٍ.
فلا تلتفتْ،
أنتَ وحدك شراعٌ مثقوبٌ،
وزورقٌ لا يدفعُ به سوى قلبُك.
أصلحْ شراعَك بخيوطٍ لا تقطعها الريح،
ربما تكونُ أنتَ نفسَك خيطَ الوفاء،
واحذرْ تلاطمَ الكلام،
فأنتَ – وكيفما تلتفتْ – سترى رحيلَ الخوفِ،
وأنتَ سيّدٌ على نفسِك،
تراكَ فلسطينُ قادمًا.
3
خجلتُ، وهربتُ إلى فسحةٍ
فيها أشواكٌ، وورودٌ من حجرٍ رخاميٍّ مكسورٍ،
دقّوا به أسلاكًا من حديدٍ ليبدوَ للغافلين ياسمينَ،
ولكي لا أُتَّهَمَ أني لستُ فريدًا،
قلتُ: لا يهمّني متى مات الرخامُ،
ومَن ضحكَ، وأنبتَ الحديدَ ليحملَ الأزهارَ.
عبثيّةُ التضليلِ تتجاوزُ وصفَ المطرِ،
وتصنعُ من الرخامِ بذورًا.
4
نظرتُ إلى السماءِ، فوجدتُ فلسطين،
وحين نظرتُ خلفي، رأيتُ أبي مشرّدًا،
يرتّبُ مواعيدَهم،
ويقول: هؤلاء صُنّاعُ حياةِ الورقِ،
فلا تحسبْ لهم شتاءً ولا ربيعًا،
ليسوا منّا لنجمعَ معهم الزعترَ،
ونراهنَ معهم على مواسمِ الخير.
وكانت أمي تناديني:
«الحقني، لقد كرهتُ الصبرَ،
فأنا عابرةٌ إلى فلسطين!»
وأنتَ وحدَك تكرهُ الرخامَ،
وترى في الحديدِ صدأً
يرتعبُ من المطرِ،
ولم تفطنْ بعدُ؟
لم تُدرِكْ بعدُ؟
كيف تُبدَّلُ الأقدارُ؟
قاوِمْ…
حتى لو أعدّوا لك سجنًا وجدارًا،
أو ثقبًا في الأرضِ.
5
نظرتُ إلى قدمي، فوجدتُها مسروقةً،
ممنوعةً من العبور،
وكنتُ أترنّحُ على حبلِ الفوضى،
كأنني أقفُ على حدِّ السكينِ.
يدعونك لأن تبقى شريدًا،
ويذكرونك بيومٍ جديدٍ.
قتلتني الأحلامُ،
وأنتم تُصرّون أن أبقى غلامًا،
بسيفٍ من خشبٍ،
وفمٍ محشوٍّ بصفّاراتِ اللعبِ.
تحملني عواصفُ الأحلامِ،
فلا أنامُ،
تجرفني حجارةُ الإجرامِ،
فأجرمُ في نفسي،
لأتركَكم أبرياءَ…
ما أصعبَ الاتهامَ!
ما أصعبَ أن أقولَ: تركوني، واخترعوا الزحامَ!
أصبحنا كما تشتهون،
مثلَ زغاليلِ الحمامِ في حفلِ سلامٍ،
وأنتم كعشٍّ مهجورٍ.
طبعوا لي آلافَ الصورِ،
وزّعوها في المخيّماتِ،
وكتبوا تحتها: “مات!”
6
مشيتُ شهيدًا إلى كلِّ السجونِ.
يا الله، أمي قد عبرتْ،
وأبي عبرَ،
وأنا سأعبرُ بروحي إلى فلسطين.
نفقُ الكونِ محفورٌ في القلبِ،
سنعبرُهُ إلى عكّا،
إلى النقبِ…
حيطانُ النفقِ خارطةُ فلسطين.
فلنعبرْ،
ولنخترْ ميلادَنا المسروقَ،
ونتساءلْ: متى أصبحنا عُراةً
نهتفُ في لحنِ المجونِ؟
لكنّنا…
نخشى أن نصيحَ،
ولا يُسمحَ لنا… حتى بالعتبِ!
سنعبرُ…
فلا سجنٌ، ولا جدارٌ، ولا خذلانٌ،
يمحو النفقَ في الجسدِ!
طاهر عرابي – دريسدن